إبراهيم بن رسول الله (ص)

إبراهيم بن رسول الله (ص) من زوجته مارية القبطية ولد بالمدينة المنورة في ذي الحجة السنة السابعة للهجرة ومات وهو ابن ستة عشر شهراً أو ثمانية عشر شهراً، فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ: (ادفنوه في البقيع، فإنَّ له مرضعاً في الجنة تتمُّ رضاعه).

ولد ابراهيم سنة ثمان هجرية في العوالي في مشربة أم ابراهيم وتوفي في السنة العاشرة من الهجرة، وكان أشبه الناس برسول الله (ص).

وروى أبو غسان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما تُوفّي إبراهيم بن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أمر أن يدفن عند عثمان بن مظعون، فرغب الناس في البقيع، وقطعوا الشجر، فاختارت كل قبيلة ناحية، فمن هنالك عرفت كل قبيلة مقابرها.

في بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج22 ص202 ب2 ح20 قال: ولم يكن لرسول الله ص ولد من غير خديجة إلا إبراهيم بن رسول الله ص من مارية القبطية، ولد بالمدينة سنة ثمان من الهجرة ومات بها وله سنة وستة أشهر وأيام وقبره بالبقيع.

وفي مصباح المتهجد: ص812 في اليوم الثامن عشر ـ أي من شهر رجب ـ كان وفاة إبراهيم بن رسول الله ص.

كسوف الشمس

في كتاب الكافي: ج3 ص208 ح7:

عن علي بن عبد الله قال: سمعت أبا الحسن موسى ع يقول: إنه لما قبض إبراهيم بن رسول الله ص جرت فيه ثلاث سنن، أما واحدة فإنه لما مات انكسفت الشمس، فقال الناس: انكسفت الشمس لفقد ابن رسول الله، فصعد رسول الله ص المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره مطيعان له لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإن انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا، ثم نزل عن المنبر فصلى بالناس صلاة الكسوف فلما سلم قال: يا علي قم فجهز ابني، فقام علي ع فغسل إبراهيم وحنطه وكفنه ثم خرج به ومضى رسول الله ص حتى انتهى به إلى قبره، فقال الناس: إن رسول الله ص نسي أن يصلي على إبراهيم لما دخله من الجزع عليه فانتصب قائما ثم قال: يا أيها الناس أتاني جبرئيل ع بما قلتم زعمتم أني نسيت أن أصلي على ابني لما دخلني من الجزع ألا وإنه ليس كما ظننتم ولكن اللطيف الخبير فرض عليكم خمس صلوات وجعل لموتاكم من كل صلاة تكبيرة وأمرني أن لا أصلي إلا على من صلى، ثم قال: يا علي انزل فألحد ابني، فنزل فألحد إبراهيم في لحده، فقال الناس: إنه لا ينبغي لأحد أن ينزل في قبر ولده إذ لم يفعل رسول الله ص، فقال لهم رسول الله ص: يا أيها الناس إنه ليس عليكم بحرام أن تنزلوا في قبور أولادكم ولكني لست آمن إذا حل أحدكم الكفن عن ولده أن يلعب به الشيطان فيدخله عند ذلك من الجزع ما يحبط أجره ثم انصرف ص.

حزنا عليك يا إبراهيم

في كتاب من ‏لا يحضره ‏الفقيه: ج1 ص177 ح526:

قال الصادق ع: لما مات إبراهيم بن رسول الله ص قال النبي ص: حزنا عليك يا إبراهيم وإنا لصابرون يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يسخط الرب.

لكان على منهاج أبيه

في كتاب من ‏لا يحضره ‏الفقيه: ج3 ص490 ح4735:

وسأله عن إبراهيم بن رسول الله ص لو بقي كان صديقا نبيا؟ قال: لو بقي كان على منهاج أبيه ص.

أتم الله رضاعه في الجنة

في كتاب وسائل ‏الشيعة: ج3 ص98 ب14 ح3127

عن أبي عبد الله ع في حديث قال: مات إبراهيم بن رسول الله ص وله ثمانية عشر شهرا فأتم الله رضاعه في الجنة.

أتقن القبور

في كتاب وسائل ‏الشيعة: ج3 ص229 ب60 ح3483

عن أبي عبد الله ع في حديث قال: لما مات إبراهيم بن رسول الله ص رأى النبي ص في قبره خللا فسواه بيده ثم قال: إذا عمل أحدكم عملا فليتقن، ثم قال: الحق بسلفك الصالح عثمان بن مظعون.

النبي ص يبكي على ولده

في كتاب وسائل ‏الشيعة: ج3 ص280 ب87 ح3651

عن أبي عبد الله ع في حديث قال لما مات إبراهيم بن رسول الله ص هملت عين رسول الله ص بالدموع ثم قال رسول الله ص: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون.

حزنا عليك يا إبراهيم

في كتاب وسائل ‏الشيعة: ج3 ص280 ب87 ح3652

قال الصادق ع: لما مات إبراهيم بن رسول الله ص قال رسول الله ص: حزنا عليك يا إبراهيم وإنا لصابرون يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يسخط الرب.

النبي على قبر ولده

في مستدرك ‏الوسائل: ج2 ص339 ب31 ح2132

عن علي ص أنه لما مات إبراهيم بن رسول الله ص أمرني فغسلته وكفنه رسول الله ص إلى أن قال ثم سوى قبره ووضع يده عند رأسه وغمزها حتى بلغت الكوع وقال بسم الله ختمتك من الشيطان أن يدخلك

تدمع العين

في مستدرك ‏الوسائل: ج2 ص462 ب74 ح2468

عن أسماء بنت زيد قالت: لما توفي إبراهيم بن رسول الله ص بكى رسول الله ص، فقال له بعض من عزاه: أنت أحق من عظم الله حقه، فقال رسول الله ص: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب لولا أنه وعد حق وموعود جامع وأن الآخر للأول تابع لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل مما وجدناه وإنا بك لمحزونون.

وفي بحار الأنوار: ج16 ص235

عن أنس بن مالك قال رأيت إبراهيم بن رسول الله ص وهو يجود بنفسه فدمعت عيناه فقال رسول الله ص تدمع العين ويحزن القلب ولا أقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون

وفي بحار الأنوار: ج22 ص157 ب1 ح16

فلما مات إبراهيم بن رسول الله ص هملت عين رسول الله بالدموع ثم قال النبي ص تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ثم رأى النبي ص في قبره خللا فسواه بيده ثم قال: إذا عمل أحدكم عملا فليتقن، ثم قال: الحق بسلفك الصالح عثمان بن مظعون.

إن شانئك هو الأبتر

في بحار الأنوار: ج33 ص224 ب18 ح513.

إن عمرو بن العاص لما مات إبراهيم بن رسول الله ص قام فقال: إن محمدا قد صار أبتر لا عقب له وإني لأشنأ الناس له وأقولهم فيه سوء، فأنزل الله (إن شانئك هو الأبتر) يعني أبتر من الإيمان ومن كل خير

فديته للحسين ع

وفي بحار الأنوار: ج22 ص153 ب1

عن ابن عباس قال: كنت عند النبي ص وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي، وهو تارة يقبل هذا وتارة يقبل هذا، إذ هبط جبرئيل بوحي من رب العالمين، فلما سري عنه قال: أتاني جبرئيل من ربي فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لست أجمعهما، فافد أحدهما بصاحبه، فنظر النبي ص إلى إبراهيم فبكى ونظر إلى الحسين فبكى وقال: إن إبراهيم أمه أمة ومتى مات لم يحزن عليه غيري وأم الحسين فاطمة وأبوه علي ابن عمي لحمي ودمي ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمي وحزنت أنا عليه وأنا أؤثر حزني على حزنهما، يا جبرئيل يقبض إبراهيم فديته للحسين، قال: فقبض بعد ثلاث فكان النبي ص إذا رأى الحسين مقبلا قبله وضمه إلى صدره ورشف ثناياه وقال: فديت من فديته بابني إبراهيم.

قبة إبراهيم ع

كان على قبر إبراهيم ابن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبة بيضاء.

وكان قبره على شكل قبر العباس والحسن بن علي ع مرتفعا عن الأرض متسعا مُغَشّيا بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مرصعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة، وأجمل منظر.

انظر كتاب رحلة ابن جبير.

وقال محمد بن أحمد المطري (ت741هـ): قبر إبراهيم بن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه قبة فيها شبّاك من جهة القبلة.

انظر كتاب التعريف بما آنست الهجرة، للمطري: ص41 – 44.

العباس بن عبد المطلب (ع)

العباس بن عبد المطلب، هو عم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، عاش أحداث مكة التي واجهت الدعوة الإسلامية، وكان من وجهاء مكة ومن أشرافها، وكان من المدافعين عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وأعلن إسلامه، وكان وفياً لأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم.

ولد قبل عام الفيل بثلاث سنوات.

أمه: نتيلة بن جناب أو خباب.

كنيته: أبو الفضل.

تُوفّي سنة 33 هـ في عهد عثمان، فكان أكبر من النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بثلاث سنوات، والعباسيون ينتسبون إليه.

وقبره معروف، دفن في دار عقيل، بالقرب من قبور الأئمة ـ عليهم السلام ـ وقبر فاطمة بنت أسد.

وفي بحار الأنوار: ج18 ص207 ب1:

عن عفيف قال: كنت امرئ تاجرا فقدمت منى أيام الحج وكان العباس بن عبد المطلب امرئ تاجرا فأتيته أبتاع منه وأبيعه: قال فبينا نحن إذا خرج رجل من خبأ يصلي فقام تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي وخرج غلام يصلي معه، فقلت: يا عباس ما هذا الدين إن هذا الدين ما ندري ما هو؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر يستفتح عليه وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به، قال عفيف: فليتني كنت آمنت به يومئذ فكنت أكون ثانيا تابعه.

وفي بحار الأنوار: ج15 ص385 ب4:

أورد الحافظ أبو القاسم الأصبهاني في دلائل النبوة مسندا عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال، قال: إني كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته يسجد تحت الكرسي.

وفي الأمالي للشيخ الطوسي: ص258 المجلس العاشر:

عن ابن عباس قال: قال رسول الله ص: يأتي على الناس يوم القيامة وقت ما فيه راكب إلا نحن أربعة، فقال له العباس بن عبد المطلب عمه: فداك أبي وأمي من هؤلاء الأربعة؟ قال: أنا على البراق وأخي صالح على ناقة الله التي عقرها قومه وعمي حمزة أسد الله وأسد رسوله على ناقتي العضباء وأخي علي بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنة مدبجة الجنبين عليه حلتان خضراوان من كسوة الرحمن على رأسه تاج من نور لذلك التاج سبعون ركنا على كل ركن ياقوتة حمراء تضي‏ء للراكب مسيرة ثلاثة أيام وبيده لواء الحمد ينادي لا إله إلا الله محمد رسول الله فيقول الخلائق من هذا، ملك مقرب أو نبي مرسل أو حامل عرش؟ فينادي مناد من بطن العرش: ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل ولا حامل عرش هذا علي بن أبي طالب وصي رسول الله رب العالمين وأمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين في جنات النعيم

وفي مستدرك الوسائل: ج3 ص288 ب30 ح3600:

عن أبي عبد الله ع عن أبيه عن جده قال: لما حضرت رسول الله ص الوفاة دعا العباس بن عبد المطلب وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع إلى أن قال: ثم قال: يا علي يا أخا محمد أتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتأخذ تراثه؟ قال: نعم بأبي أنت وأمي، قال فنظرت إليه حتى نزع خاتمه من إصبعه فقال: تختم بهذا في حياتي، قال فنظرت إلى الخاتم حين وضعه علي ع في إصبعه اليمنى الخبر

قبة العباس

كان على قبر العباس عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبة بيضاء.

وكان قبره مرتفعا عن الأرض متسعا مُغَشّيا بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مرصعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة، وأجمل منظر. وهكذا كان قبة الإمام الحسن عليه السلام.

انظر كتاب رحلة ابن جبير.

الحسن بن الإمام الحسن (ع)

الحسن بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو زوج فاطمة بنت الحسين (عليه السلام). مات عن عمر يناهز الخامسة والثلاثين.

عقيل بن أبي طالب (ع)

عقيل بن أبي طالب أحد أخوة أمير المؤمنين عليه السلام، وكان يكبر الإمام بعشرين سنة وكان يحبّه النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ حبّين حبّاً له وحبّاً لحبّ أبيه له. وكان نسّابة عارفاً بأنساب العرب، وهو الذي اختار أم البنين زوجة لأخيه أمير المؤمنين عليه السلام.

وكان عقيل من الذين أخرجوا كرهاً الى غزوة بدر لمحاربة رسول الله (ص)، ولم يحمل سيفه في وجه المسلمين فأسر وفداه عمه العباس بأربعة آلاف درهم.

كانت داره في وسط البقيع تعرف بدار عقيل، ولما تُوفّي دُفن في داره، وبعد ذلك دُفن أكثر بني هاشم بجواره، وتعرف بمقبرة بني هاشم، وتقع داره وقبره على يسار زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي جواره عبد الله بن جعفر الطيار وسفيان بن الحارث.

توفي عقيل سنة 60 هجرية.

عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (ع)

عبد الله بن جعفر الطيار هو الولد الأكبر لجعفر بن أبي طالب، وهو صهر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنه تزوج زينب الكبرى عليها السلام.

قدّم عدة من أولاده شهداء في كربلاء دفاعاً عن الإمام الحسين عليه السلام، وتُوفّي سنة 80 هـ في المدينة. ودُفن بجوار عمه عقيل.

وقيل: إن قبره في الأبواء بين مكة والمدينة.

وكان عبد الله بن جعفر كثير الجود .

وذكر السمهودي أن الدعاء عند قبره مستجاب لأنه كثير الجود فأبقى الله قضاء الحوائج عند قبره.

إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (ع)

إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.

هو الولد الأكبر للإمام الصادق عليه السلام. حيث تزوج الإمام من فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين، فأنجب منها إسماعيل وعبد الله وأم فروة.

وكان إسماعيل أكبر الإخوة، وكان الإمام الصادق (ع) يحبه كثيرا، وقد مات في حياة أبيه بالعريض، حمل على رقاب الرجال الى أبيه بالمدينة حتى دفن بالبقيع.

يقول السمهودي (في وفاء الوفاء: ج2 ص104): مشهد إسماعيل بن جعفر الصادق، وهو كبير يقابل مشهد العباس في المغرب، وهو ركن سور المدينة من القبلة والمشرق، بني قبل السور فاتصل السور به فصار بابه من داخل المدينة، قال المطري: بناه بعض العبيديين من ملوك مصر.

يقول المطري: ويقال إن عرصة هذا المشهد وما حوله من جهة الشمال إلى الباب كانت دار زين العابدين، وبجانب المشهد الغربي مسجد صغير مهجور يقال: إنه مسجد زين العابدين.

يقول محمد بن أحمد المطري (ت741هـ):

ثم قبر إسماعيل بن جعفر الصادق (ع) في مشهد كبير مبيض غربي قبة العباس هو ركن سور المدينة من جهة القبلة والشرقي وبابه من داخل المدينة، بناه بعض ملوك مصر العبديين، ويقال إنّ هذه العَرَصَة التي فيها هذا المشهد وما حولها من جهة الشمال إلى الباب هي كانت دار زين العابدين علي بن الحسين (عليهم السلام)، وبين باب الأول وباب المشهد بئر منسوبة إلى زين العابدين، وكذلك بجانب المشهد الغربي مسجد صغير مهجور يقال إنه أيضاً مسجد زين العابدين...

انظر كتاب (أضواء على معالم المدينة المنورة وتاريخها) ص 186-188 عن التعريف بما آنست الهجرة، للمطري: ص41 – 44.

محسن السقط

محسن السقط ابن الإمام أمير المؤمنين (ع) حيث أسقطت فاطمة الزهراء عليها السلام جنينها بين الحائط والباب عندما أصابوها بالأذى.

قبره مجهول ويحتمل أن يكون في البقيع الغرقد.

الترجمة قيد الإنجاز

محمد بن زيد بن علي بن الحسين (ع)

محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب عليه السلام.

هو حفيد الإمام السجاد عليه السلام، وكانت داره بجوار دار عقيل.

روى ابن شبّة عن محمد بن يحيى قال: سمعت مَن يذكر أن قبر أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها بالبقيع حيث دفن محمد بن زيد بن علي، وأنه كان قد حفر فوجد على ثمانية أذرع حجراً مكسوراً مكتوباً في بعضه (أم سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم) وقد أمر محمد بن زيد بن علي أهله أن يدفنوا في ذلك القبر بعينه، وأن يحفروا له عمقاً ثمانية أذرع، فحفر كذلك ودفن فيه.

الحسين بن علي بن الحسين(ع)

الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، المعروف بالأصغر، كان تابعياً ويكنى أبا عبد الله.

قال الشيخ المفيد: كان فاضلاً ورعاً، روى حديثا كثيرا عن أبيه علي بن الحسين (ع) وعمته فاطمة بنت الحسين (ع) وأخيه أبي جعفر (ع).

توفي عام 157 هجرية، وله 64 سنة ودفن في البقيع.

جاء في كتاب (تنوير الأمة بأولاد الأئمة) للخطيب الشيخ علي حيدر المؤيد:

الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين، أمه أم ولد، تدعى سعادة (ساعدة) وإنما قيل له: الحسين الأصغر، لأن له أخاً أكبر منه يسمى الحسين بن علي لم يعقب(1).

وكان الحسين الأصغر عفيفاً محدثاً فاضلاً، يكنى أبا عبد الله، وكان من مفاخر الأسرة النبوية في فضله وتقواه(2).

وكان من العلماء البارزين في عصره، وقد روى حديثاً كثيراً عن أبيه، وعمته السيدة فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السلام)، وأخيه الإمام أبي جعفر(3)، وروى عنه محمد ابنه الحديث الوارد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الإخبار عن قتل ولده الإمام الحسين (عليه السلام)(4).

وروى أحمد بن عيسى قال: حدثنا أبي قال: كنت أرى الحسين بن علي بن الحسين يدعو، فكنت أقول: لا يضع يده حتى يستجاب له في الخلق جميعاً(5).

وكان الحسين حليماً وقوراً، تمثلت فيه هيبة المتقين والصالحين، وعلت وجهه أسارير النور، ووصفه الإمام أبو جعفر فقال: وأما الحسين فحليم يمشي على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً(6).

وكان ورعاً تقياً شديد الخوف من الله، يقول سعيد صاحب الحسن ابن صالح: لم أر أحداً أخوف من الله من الحسن بن صالح حتى قدمت المدينة، فرأيت الحسين بن علي، فلم أر أشد خوفاً منه، كأنما أدخل النار ثم أخرج منها لشدة خوفه(7).

لقد نشأ الحسين في مركز الورع والتقوى، ومعدن الحكمة والفضيلة في الإسلام، وقد غذاه أبوه الإمام زين العابدين (ع) بمثله وكمالاته النفسية، فكان كأبيه في إقباله على الله، وزهده في الدنيا، وتخرجه في الدين.

روى يحيى بن سليمان بن الحسين، عن عمّه إبراهيم بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي بن الحسين قال: كان إبراهيم بن هشام المخزومي والياً على المدينة، فكان يجمعنا يوم الجمعة قريباً من المنبر، ثم يقع في علي ويشتمه، قال: فحضرت يوماً وقد امتلأ ذلك المكان، فلصقت بالمنبر فأغفيت، فرأيت القبر قد انفرج وخرج منه رجل عليه ثياب بياض، فقال لي: يا أبا عبد الله، ألا يحزنك ما يقول هذا؟ قلت: بلى والله، قال: افتح عينيك، انظر ما يصنع الله به، فإذا هو قد ذكر علياً فرمي به من فوق المنبر فمات لعنه الله(8).

توفي الحسين الأصغر في يثرب سنة سبع وخمسين ومائة، وله سبع وخمسون سنة، ودفن بالبقيع مجاوراً لأبيه زين العابدين (عليه السلام)(9).


1- عمدة الطالب: ص345، سر السلسلة العلوية: ص69.

2- عمدة الطالب: ص345.

3- الإرشاد: ج2 ص174.

4- معجم رجال الحديث: ج6 ص44.

5- الإرشاد: ج2 ص174، عمدة الطالب: ص350.

6- سفينة البحار: ج2 ص273، مراقد المعارف: ج2 ص113.

7- الإرشاد: ج2 ص174.

8- إعلام الورى: ج2 ص486، الإرشاد: ج2 ص175.

9- عمدة الطالب: ص345، سر السلسلة العلوية: ص69.

الحسن بن جعفر (ع)

الحسن بن جعفر الحجة بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.

كانت إمارة المدينة ورئاستها في أولاده حتى سنة 1088هـ ومنهم السيد مهنا بن سنان قاضي المدينة المشهور.

قال السيد تاج الدين بن زهرة: كان سيداً جليلا نبيلا سخيا حبيبا، مات في عنفوان شبابه سنة 221 وهو ابن 37 سنة، شهد جنازته الخلق من الطالبيين وغيرهم.

عبد الله / من أحفاد الإمام الحسن المجتبى (ع)

هو عبد الله  بن محمد بن يوسف بن موسى بن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن المجتبى (ع).

الترجمة قيد الإنجاز

محمد النفس الزكية

الظاهر أن مرقد محمد النفس الزكية بضواحي مدينة الرسول الأعظم (ص) في الموضع الذي استشهد فيه ويعرف بـ (أحجار الزيت).

ولكنه قيل: نقل جسده إلى البقيع وقبر به كما في مراقد المعارف: ج2 ص240.

قال السمهودي في (وفاء الوفا) ج2 ص106: كان مشهده شرقي جبل سلع، عليه بناء كبير بالحجارة السود وقصدوا أن يبنوا عليه قبة فلم يتفق، وهو داخل مسجد كبير مهجور، وفي قبلة المسجد منهل من عين الأزرق مدرج من شرقية وغربية والعين تجري في وسطه.

وفي معجم البلدان ج1 ص133: (أحجار الزيت) موضع بالمدينة قريب من الزوراء وهو موضع صلاة الاستسقاء، وقال العمراني: (أحجار الزيت) موضع بالمدينة داخلها، وراجع منتقلة الطالبية: ص6 (أحجار الزيت) من ناحية المدينة، قتل بها محمد النفس الزكية.

فاطمة بنت أسد (ع)

فاطمة بنت أسد، والدة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وزوجة أبي طالب.

كانت من أحب النساء لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم. كيف لا، وهي التي حضنته صغيراً وربّته واهتمت به أكثر من أولادها عندما كان يتيماً واستضعفه الناس؟!

هاجرت إلى المدينة مع أمير المؤمنين، وعاشت آخر حياتها فيها. ولما اشتد حالها وعلم بذلك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: ((إذا تُوفّيتْ فأعلِموني)). فلما تُوفّيت خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فأمر بقبرها، فحُفر ثم لحد لها لحداً، فلما فرغ منه نزل فاضطجع في اللحد وقرأ فيه القرآن، ثم نزع قميصه ، فأمر أن تكّفن فيه، ثم صلى عليها عند قبرها وقال: ((ما أُعفي أحد من ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد)).

وفي حديث جابر بن عبد الله قال:

بينما نحن جلوس مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ إذ أتى آتٍ فقال: يا رسول الله، إن أمّ علي وجعفر وعقيل قد ماتت، فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ: ((قوموا بنا إلى أمي)). فقمنا وكأن على رؤوس مَن معه الطير، فلما انتهينا إلى الباب نزع قميصه فقال: ((إذا غسلتموها فأشعروها إياه تحت أكفانها)). فلما خرجوا بها جعل رسول الله مرة يحمل، ومرة يتقدم ، ومرة يتأخر حتى انتهينا إلى القبر، فتمعَّك في اللحد، ثم خرج، فقال: ((أدخلوها باسم الله، وعلى اسم الله)). فلما دفنوها قام قائماً فقال:

((جزاكِ الله من أمٍّ وربيبةٍ خيراً، فنِعمَ الأم، ونعم الربيبة كنت لي)). قال : فقلنا له : يا رسول الله ، لقد صنعت شيئين ما رأيناك صنعت مثلهما قط. قال: ((ما هو؟)) قلنا : بنزعك قميصك، وتمعُّكك في اللحد. قال: ((أما قميصي فأردت ألاّ تمسَّها النار أبداً إن شاء الله ، وأما تمعّكي في اللحد فأردت أن يوسّع الله عليها قبرها)).

توفيت: في السنة الرابعة أو الخامسة من الهجرة، وهي أول امرأة هاجرت إلى رسول الله (ص) من مكة إلى المدينة على قدميها، ولما توفيت قال رسول الله (ص) لعلي (ع): (خذ عمامتي هذه، وخذ ثوبي هذين فكفنها فيهما، ومر النساء فليحسن غسلها). ثم إن رسول الله (ص) دفن فاطمة بنت أسد وكفنها في قميصه ونزل في قبرها وتمرغ في لحدها.

يقع قبرها في مقبرة بني هاشم في البقيع بجوار قبور الأئمة الأربعة ـ عليهم السلام ـ والى جوار قبر العباس بن عبد المطلب في دار عقيل، في الركن الشمال الشرقي للبقيع.

فاطمة أم البنين (ع)

أم البنين فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية، زوجة أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ هي والدة أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام، كانت وفيّة لعلي عليه السلام، وكان اسمها فاطمة فطلبت من أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أن لا يناديها باسمها لكي لا يتأذى الحسن والحسين عليهما السلام، فقد كانت حنوناً عليهما، وقدّمت أولادها الأربعة في كربلاء دفاعاً عن الإمام الحسين عليه السلام، وعندما جاء الناعي (بشر) إلى المدينة لينعى الحسين ـ عليه السلام ـ أول ما سألته عن الحسين قبل أن تسأله عن أولادها، وكان الناعي يذكر أولادها واحداً بعد الآخر إلى أن وصل إلى الحسين ـ عليه السلام ـ فسقط طفل عن كتفها وهو من أولاد ابنها العباس وبكت وعظمت مصيبتها.

وكانت أم البنين تخرج إلى البقيع فتندب بنيها الأربعة الذين استشهدوا مع الحسين (عليه السلام) في كربلاء أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، فكان مروان يجيء فيمن يجيء لذلك، فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي(1)

بعد أن تُوفّيت دفنت في البقيع، وقبرها في جوار قبر عمّات النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ على يسار الداخل إلى البقيع.

وقد ظهرت كرامات عديدة لقبرها، وذلك لعظيم مقامها عند الله عزوجل.

وكتب العلماء والمؤلفين كتباً عديدة حول شخصية أم البنين عليها السلام.

ورد في كتاب المجالس السنية ج1 ص113:

وكانت أم البنين ـ وهي فاطمة بنت حزام الكلابية ـ أم العباس واخوته : عبد الله ، وجعفر، وعثمان ، الذين قتلوا مع أخيهم الحسين يوم عاشوراء، تخرج بعد قتلهم كل يوم إلى البقيع في المدينة، وتحمل معها عبيد الله ابن ولدها العباس فتندب أولادها الأربعة خصوصاً أشجى ندبة وأحرقها ، فيجتمع الناس يستمعون بكاءها وندبتها ، وكان مروان بن الحكم على شدة عداوته لبني هاشم فيمن يجيء  فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي .
فمما كانت ترثي به قولها في أولادها الأربعة :

لا تـدعينـي ويـك أم البنــــين                تـذكرينـي بليــوث العـــــــــــرين

كـانت بنـون لي أدعـى بـــهم                واليـوم أصبحت ولا مـن بنــــين

أربعـة مثـل نســـور الربــــى                قد واصـلوا الموت بقطع الوتـين

تنـازع الـخرصان أشـلاءهــم               وكلـهم أمسـى صريعـاً طعــــــين

يـا ليت شـعري أكما أخــبروا               بـان عباســــــاً قـطيع اليمــــــين


(1) مقاتل الطالبيين: ص90.

رقية بنت رسول الله (ص)

رقية بنت رسول الله (ص)، أمها خديجة، وقيل: هي ربيبة لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وليست ابنته.

اختلف المؤرخون فيمن أكبر سناً رقية أم أم كلثوم كما اختلفوا في أزواجهما عتبة وعتيبة (ويرجح البعض الأول على أنه زوجها)، ولكنه طلقها بعد ذلك بطلب من أبيه أبي لهب، وقد تزوجت من عثمان بن عفان بعد ذلك وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم عادت إلى المدينة، وأولدت له ولداً في الحبشة أسمياه عبد الله ولكنه توفي في السنة الرابعة للهجرة.

روي أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان مشغولا في معركة بدر فلما رجع رأى أنها قد ماتت، فدفنها في البقيع.

وروى ابن شبّة عن ابن عباس ما لفظه:

لما ماتت رقية بنت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال (ص): (الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون).

ويستفاد من بعض الروايات أن عثمان قد قتلها، فعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (ع): أ يفلت من ضغطة القبر أحد؟ قال: فقال: نعوذ بالله منها، ما أقل من يفلت من ضغطة القبر، إن رقية لما قتلها عثمان وقف رسول الله (ص) على قبرها فرفع رأسه إلى السماء فدمعت عيناه وقال للناس: إني ذكرت هذه وما لقيت، فرققت لها واستوهبتها من ضغطة القبر، قال: فقال: اللهم هب لي رقية من ضغطة القبر فوهبها الله له (1)


(1) الكافي: ج3 ص236 باب المسألة في القبر... ح6. وبحار الأنوار: ج6 ص261 ب8 ح102.

زينب بنت رسول الله (ص)

زينب بنت رسول الله (ص) هي أكبر أولاده صلّى الله عليه وآله، وقيل: هي ربيبة لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وليست ابنته.

ولدت قبل البعثة، قبل وفاة الرسول (ص) بثلاثين عاماً، تزوجها أبو العاص بن ربيع، وربيع هذا من أبناء عبد العزى بن عبد شمس صهر رسول الله (ص) وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين، مالاً وأمانةً وتجارة.

وكان الإسلام قد فرق بين زينب حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع، فلما صارت قريش إلى بدر، وقع أبو العاص في الأسر، فكان بالمدينة عند رسول الله (ص) فأخذ عليه الرسول (ص) أن يخلي سبيل زينب إليه، فلما حرره رسول الله (ص) خلى سبيلها ولحقت بأبيها في المدينة، ولما أسلم أبو العاص رد عليه رسول الله (ص) زينب(1).

إلا أن بعض المحققين كالعلاّمة السيد جعفر مرتضى يقول:

إن زينب لم تكن بنتاً لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وإنما هي بنت أخت خديجة عليها السلام(2).

تُوفّيت زينب في المدينة المنورة عن عمر 58 سنة وصلى عليها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ودفنها إلى جوار رقية وأم كلثوم أي بجوار الصحابي الجليل عثمان بن مظعون.

وكان يعلو هذه القبور الثلاثة قبة واحدة تعرف بقبة بنات الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم.


(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 651.

(2) الصحيح من سيرة النبي الأعظم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ج 1.

أم كلثوم بنت رسول الله (ص)

أم كلثوم بنت رسول الله (ص) وقيل: هي ربيبة لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وليست ابنته.

كانت زوجة لعتبة بن أبي لهب، وقيل عتيبة على اختلاف بينها وبين أختها رقية حيث إن ابني أبي لهب تزوجا بنتي الرسول (ص)، وعندما طلقها زوجها تزوجها عثمان بن عفان بعد وفاة أختها رقية الّتي كانت زوجته.

توفيت في السنة التاسعة للهجرة، غسّلتها أسماء بنت عميس، ودفنها علي ـ عليه السلام ـ والفضل بن العباس. وقد دفنت في البقيع بجوار أختيها زينب ورقية.

صفية بنت عبد المطلب

صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وزوجها العوّام بن خويلد. وهي والدة الزبير بن العوام.

خرجت لبعض المعارك مع المسلمين، وفي اُحد كانت على رأس النساء اللاتي خرجن..

كانت مؤمنة شجاعة وصاحبة شهامة، ففي بدء الدعوة وفي أيام معركة الأحزاب دخل أحد يهود بني قريظة ليتجسّس عليهم ويعاين نساء المسلمين، فأخذتها الغيرة والحمية، فطلبت من حسان بن ثابت أن يقتله فخاف وأبى، فذهبت إليه بنفسها وقتلته. تُوفّيت في سنة 20 هـ ودفنت في البقيع.

وكان قبرها في بقيع العمّات وبعد التوسعة وجَعْلِ كلا البقيعين واحداً صار قبرها على يسار الداخل إلى البقيع. أي في شمال غربي البقيع بجنب الحائط الشرقي .

يقول محمد بن أحمد المطري (ت741هـ):

قبر أم الزبير صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها على يسار الخارج من باب المدينة، ويقال أنّها دُفنت عند موضع الوضوء، عند دار المغيرة ابن شعبة، وعليها بناء من حجارة أرادوا أن يعقدوا عليه قبة صغيرة فلم يتفق ذلك لقربها من السور والباب.

انظر كتاب التعريف بما آنست الهجرة، للمطري: ص41 – 44.

عاتكة بنت عبد المطلب

عاتكة بنت عبد المطلب من عمّات النبي صلّى الله عليه وآله وسلم. زوجها أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله، وأمها فاطمة بنت عمر بن عايد بن عمران.

تُوفّيت بالمدينة المنورة ودفنت بجوار أختها صفية، أي بجوار الحائط الشرقي، شمال غربي البقيع على يسار الداخل إلى البقيع.

جمانة بنت عبد المطلب

عاتكة بنت عبد المطلب من عمّات النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.

زينب بنت الإمام أمير المؤمنين (عليها السلام)

ذكر بعض المحققين أنه كانت للإمام علي (عليه السلام) ثلاث بنات كلهن تسمى بزينب وتكنى بأم كلثوم إحداهن في الشام والأخرى في مصر والثالثة في المدينة.

راجع كتاب الدعاء والزيارة، للإمام الشيرازي: ص688 ط مؤسسة البلاغ.

الترجمة قيد الإنجاز

أم سلمة زوجة الرسول (ص)

أم المؤمنين أم سلمة، وهي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن محزوم، توفيت سنة 60 هـ وقيل 61هـ.

أم المؤمنين مارية القبطية، أهداها حاكم مصر هي وأختها سيرين إلى النبي (ص) فوهب الرسول (ص) سيرين لحسان بن ثابت، توفيت عام 16 هـ في إمارة عمر بن الخطاب.

مارية القِبطيّة

نسبها: مارية بنت شمعون القبطية، أمّ إبراهيم من سراري النبيّ (صلّى الله عليه وآله).
ولادتها: لم يذكر التاريخ سنة ولادتها.
وفاتها: كانت في سنة 16 هجرية.
كانت مارية مصرية الأصل، بيضاء ولدت في قرية (حفن) من كورة (أنصنا) بمصر.
أهداها المقوقس القبطي (صاحب الاسكندرية ومصر) سنة 7هـ إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هي واُخت لها تدعى (سيرين)، فولدت له إبراهيم، فقال: «أعقتها ولدها».
وأهدى اُختها سيرين إلى حسان بن ثابت – الشاعر – فولدت له عبد الرحمن بن حسان.
قال ياقوت الحموي: إنّ الحسن بن علي لمّا علم أن مارية من قرية حفن كلم معاوية، فوضع عن أهل القرية خراج أرضهم، ولما توفى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تولى الإنفاق عليها أبو بكر ثمّ عمر، وماتت في خلافة عمر بالمدينة، ودفنت بالبقيع، وإليها تُنسب (مشربة أم إبراهيم) في العالية بالمدينة وكان أول نزولها فيها(1)


1 - انظر معجم البلدان2: 318/ حفن.اُسد الغابة5: 543. الإصابة كتاب النساء: ت984. الأعلام5: 255.

أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان)

نسبها: رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية.
ولادتها: سنة 25 قبل الهجرة.
وفاتها: سنة 44 هجرية.
كانت صحابية من أزواج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهي أخت معاوية، كانت من فصيحات قريش ومن ذوات الرأي والحصافة، تزوجها أولاً عبيد الله بن جحش وهاجرت معه إلى أرض الحبشة (في الهجرة الثانية)، ثمّ ارتدّ عبيد الله عن الإسلام فأعرضت عنه إلى أن مات، فأرسل إليها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخطبها وعهد للنجاشي (ملك الحبشة) بعقد نكاحه عليها، ووكلت هي خالد بن سعيد بن العاص فأصدقها النجاشيُّ من عنده أربع مئة دينار وذلك سنة 7هـ، ولها من العمر بضع وثلاثون سنة.
وكان أبوها لا يزال على دين الجاهلية، فلما بلغه ما صنع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عجب له وقال: ذلك الضحك لا يقرع أنفه.
توفيت أم حبيبة بالمدينة ولها في كتب الحديث 65 حديثاً(1).
وفي رواية عن الحسن (عليه السلام) قال: «قدمت منـزلي في دار علي بن أبي طالب فحفرنا في ناحية منه فأخرجنا حجراً فإذا فيه مكتوب هذا قبر رملة بنت صخر فأعدناه في مكانه»(2).


 1- انظر : طبقات ابن سعد8: ص78. صفوة الصفوة2: ص22. الإصابة8: ص84. الأعلام3: ص33. زوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) : ص72-80.
2- تاريخ مدينة دمشق 69: ص152.

زينب زوجة رسول الله (ص)

أم المؤمنين زينب بنت خزيمة ابن الحارث بن عبد الله بن عمر ابن عبد مناف بن هلال، اختلف في سنة وفاتها.

وكذلك أم المؤمنين زينب بنت جحش: أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة الرسول (ص)، وتوفيت عام 20 للهجرة عن عمر يناهز الخمسين.

صفية زوجة رسول الله (ص)

أم المؤمنين صفية بنت حي بن أخطب... تزوجت اثنان قبل الرسول(ص) ثم تزوجها الرسول (ص) وتوفيت عام 50 هـ ودفنت بالبقيع.

ريحانة زوجة رسول الله (ص)

أم المؤمنين ريحانة بنت زيد. تزوجها الرسول (ص) في السنة السادسة للهجرة.. وتوفيت في حياة الرسول (ص).

سودة زوجة رسول الله (ص)

أم المؤمنين سودة بن زمعة بن قيس بن عبد شمس، كان زوجة لسكران بن عرد الذي هاجر إلى الحبشة وعندما عاد إلى مكة توفي هناك، وقيل في الحبشة، تزوجها الرسول ص ، توفيت عام 50 أو 54 للهجرة ودفنت في البقيع.

جويرية زوجة رسول الله (ص)

أم المؤمنين جويرية بنت حارث، أسرت مع أبيها في غزوة بني المصطلق، وتزوجها الرسول (ص) وتوفيت عام 50 وقيل 56 للهجرة ودفنت في البقيع.

عائشة بنت أبي بكر

نسبها: عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي.
ولادتها: كانت سنة 9 قبل الهجرة.
وفاتها: كانت سنة 58 هجرية.
قال أبو عمر: كانت عائشة تذكر لجبير بن مطعم وتُسمى له، وروى ابن سعد عن أبي مليكة: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عندما خطب عائشة قال أبو بكر: إني كنت أعطيتها مطعماً لابنه جبير، فدعني حتّى أسلها منهم، فاستلها منهم فطلقها، فتزوجها رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
وفي رواية اُخرى: إن أبا بكر استسلها منهم قبل ان تخطبها خولة بنت حكيم السلمية امرأة عثمان بن مظعون لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم).
وروي أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تزوج عائشة بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وابتنى بها بالمدينة، وفي رواية اخرى تزوجها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في السنة الثانية أو الثالثة للهجرة وتوفى عنها وهي ابنة ثماني عشر سنة.
قال أبو عمر: وتوفيت عائشة سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، ودفنت من ليلتها بعد الوتر بالبقيع وصلّى عليها أبو هريرة(1).


1 - الإصابة: ت701. طبقات ابن سعد 8: ص39. تاريخ الطبري 3: ص67. أعلام النساء 2: 750. حلية الأولياء 2: ص43. الأعلام 3: ص240. زوجات النبيّ : ص47-54.

حفصة بنت عمر

نسبها: حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عدي بن كعب بن لؤي. وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب.
ولادتها: كانت في سنة 18 قبل الهجرة.
وفاتها: كانت في سنة 45 هجرية.
أخرج ابن سعد عن أبي الحويرث قال: تزوج خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي حفصة بنت عمر بن الخطاب، فكانت عنده وهاجرت معه إلى المدينة فمات عنها بعد الهجرة. وقال: تزوج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حفصة في شعبان على رأس ثلاثين شهراً قبل اُحد.
وقال أبو عمر: تزوجها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في سنة ثلاث من الهجرة.
وقيل: تزوجها سنة اثنين من التاريخ.
وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب: أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طلق حفصة ثمّ راجعها.
وتوفيت في خلافة معاوية بن أبي سفيان وهي يؤمئذٍ ابنة ستني سنة، وصلّى عليها مروان بن الحكم وهو يؤمئذ عام على المدينة(1)


1 - الإصابة4: ص273. طبقات بن سعد8: ص56. حلية الأولياء2: ص50. الأعلام2: ص265. زوجات النبيّ: ص54-56.

حليمة السعدية

نسبها: حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شِجْنة بن جابر السعدي البكري الهوازني.
ولادتها: لم يذكر لنا التاريخ سنة الولادة.
وفاتها: توفيت بعد السنة الثامنة للهجرة.
كانت من أمهات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في الرضاع، كانت زوجة الحارث بن عبد العزي السعدي من بادية الحديبية، وكانت المرضعات يقدمن إلى مكة من البادية لإرضاع الأطفال، ويفضلن مَن يكون أبوه حياً لبّره إلا أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان يتيماً، مات أبوه عبد الله، فتسلمته من أمّه آمنة، ونشأ في بادية بني سعد في الحديبية وأطرافها ثمّ في المدينة.
وعادت به إلى اُمه، وماتت اُمّه آمنة وعمره ست سنين فكلفه جده عبد المطلب، وقدمت حليمة السعدية على مكة بعد أن تزوج رسول الله بخديجة وشكت إليه الجدب، فكّلم خديجة بشأنها. فأعطتها أربعين شاة، وقدمت بعد النبوة مع زوجها فأسلمها(1).


1 - انظر: ذخائر العقبى: ص259. الإصابة4: ص274. تاريخ أبي الفداء1: ص112. الأعلام2: ص271.

عثمان بن مظعون

هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب، الجُمحي القرشي، يكنى أبا السائب. أسلم قديماً وكان إسلامه بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرة الأولى، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدراً وكان من أشد الناس اجتهاداً في العبادة، يصوم النهار ويقوم الليل ويجتنب الشهوات ويعتزل النساء، وهو ممن حرّم الخمر على نفسه، وقال: لا أشرب شراباً يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى منّي.

أمه: سُخيلة بنت العنبس بن وهبان بن وهب بن حذافة بن جمح.

أخوته: عبد الله، توفي سنة 30 هـ / وقدامة، مات عام 36هـ.

أولاده: السائب وعبد الرحمن، أمهما خولة بنت حكيم.

زوجته: خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة الأوقص السُلمية.

قيل: كان عثمان بن مظعون أخ النبي (ص) من الرضاعة.

وقد نزلت بعض الآيات القرآنيه في حقه، منها قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون) سورة البقرة: 45-46.

ولسمو مرتبة عثمان بن مظعون وقربه من الله ورسوله سمى العديد من الأولياء والصلحاء أولادهم باسمه، ففي الحديث عن هبيرة بن مريم قال: كنا جلوساً عند علي عليه السلام فدعا ابنه عثمان... ثم قال: سميته باسم عثمان بن مظعون، وفي زيارة الناحية المقدسة: السلام على عثمان ابن أمير المؤمنين سمي عثمان بن مظعون، وروي عن علي (ع) أنه قال: إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون.

وهو أول رجل مات بالمدينة من المهاجرين، مات سنة اثنتين من الهجرة، وقيل: تُوفّي بعد اثنين وعشرين شهراً بعد شهوده بدراً، وهو أول من دفن بالبقيع من المهاجرين.

روي عن عائشة أن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت يبكي وعيناه تهراقان، ولما تُوفّي إبراهيم بن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ: (الحق بالسلف الصالح عثمان بن مظعون)، فلما دفن قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (نِعمَ السلفُ لنا هو عثمان بن مظعون)(1).

ولما مات عثمان قالوا: يا رسول الله أين ندفنه؟ قال: (بالبقيع)، قال: فلحد له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وفَضَل حجرٌ من حجارة لحده، فحمله رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فوضعه عند رجليه، وفي رواية فوضعه عند رأسه ، وقال: (أتعلّم به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي).

وروي عن رسول الله (ص) أنه لما مروا بجنازة عثمان بن مظعون قال: (ذهبت ولم تلبس منها بشيء).

وروي أنه لما رفع عثمان بن مظعون على السرير قال النبي (ص): طوباك يا عثمان، لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها.

وقد صلى عليه رسول الله (ص) وشارك في تشييعه ودفنه، وكان رسول الله (ص) يزور قبر عثمان بن مظعون، وروي أنه أمر أن يبسط على قبره ثوب وهو أول قبر بسط عليه ثوب(2).


(1) أسد الغابة 3 / 386 / الاستيعاب ج 3 ص 85 / الإصابة ج 2 ص 457.

(2) للتفصيل راجع كتاب أضواء على معالم المدينة المنورة وتاريخها، لمؤلفه حسين علي مصطفى: ص195-217.

المقداد بن الأسود

ولد المقداد سنة 37 قبل الهجرة وتوفى سنة 33 هجرية، واسمه المقداد بن عمرو، ويُعرف بابن الأسود الكندي البهراني الحضرمي أبو معبد أو أبو عمرو. كان من الصحابة الأبطال وهو أحد السبعة الذين كانوا أول مَن أظهر الإسلام، وهو أول مَن قاتل على فرس في سبيل الله.
كان في الجاهلية من سكان حضرموت، واسم أبيه عمرو بن ثعلبة البهراني الكندي، ووقع بين المقداد وابن شمر بن حجر الكندي خصام فضرب المقداد رجله بالسيف وهرب إلى مكة، فتبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري، فصار يقال له: المقداد بن الأسود إلى أن نزلت آية {ادعوهم لآبائهم} فعاد يتسمى (المقداد بن عمرو) وشهد بدراً واُحد وحنين وغيرها، وسكن المدينة وتوفي على مقربة منها، فحمل إليها ودفن فيها(1).
وكان المقداد من شرطة الخميس الذين تشارطوا مع أمير المؤمنين (عليه السلام)(2).
وكان المقداد من الثابتين في الردة التي حصلت بعد شهادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث يقول الإمام الباقر (عليه السلام): «ارتدّ الناس بعد النبيّ صلى الله عليه وآله إلا ثلاث نفر: المقداد بن الأسود، وأبو ذرّ الغفاري، وسلمان الفارسي، ثمّ إنّ الناس عرفوا ولحقوا بعد»(3).
وكانت للمقداد منـزلة عظيمة حيث أمر الباري عزّ وجلّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يحبه، حيث ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «إنّ الله أمرني بحبِّ أربعة» قالوا: ومَن هم يارسول الله؟ قال: «علي بن أبي طالب» ثمّ سكت، ثمّ قال: «إن الله أمرني بحبّ أربعة» قالوا: ومَن هم يارسول الله ؟ قال: «علي بن أبي طالب» ثمّ سكت ، ثمّ قال: «إنّ الله أمرني بحبّ أربعة» قالوا: ومَن هم يارسول الله؟ قال: «علي ابن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وأبو ذرّ الغفاري، وسلمان الفارسي»(4).
وقال في حقه الإمام الصادق (عليه السلام) : «إنّما منـزلة المقداد ابن الأسود في هذه الأمة كمنـزلة ألف في القرآن لا يلزق بها شيء»(5).


1 - الاصابة: ت8185. تهذيب التهذيب 10: ص485. حلية الأولياء 1: ص172. الأعلام7: ص272.
2- الاختصاص: ص2.
3- الاختصاص: ص6.
4- الاختصاص: ص9.
5- الاختصاص: 10.

جابر بن عبد الله الأنصاري

نسبه: جابر بن عبد الله بن عمر بن حرام الخزرجي الأنصاري السلمي.
ولادته: كانت سنة 16 قبل الهجرة.
وفاته: كانت سنة 78 هجرية.
كان جابر من الصحابة المكثرين في الرواية عن النبيّ ّ (صلّى الله عليه وآله) وروى عنه جماعة من الصحابة، وله ولأبيه صحبة، غزا تسع عشر غزوة. كانت له حلقة في المسجد النبوي في أواخر حياته يؤخذ عنه العلم.
روى له البخاري ومسلم وغيرهما 1540 حديثاً، وله مسند مما رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل.
ويقول الكلبي: إنّه عمي في آخر عمره، وكان يحفي شاربه وكان يخضب بالصفرة.
كان من أجلاء المفسرين ، وشهد صفين مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكان منقطعاً إلى أهل البيت عليهم السلام.
وعدّه ابن عبد ممّن فضّل علياً (عليه السلام) على غيره، وهو أول زائر للحسين (عليه السلام).
وينقل ابن عساكر في (تاريخ دمشق) حكمةً له يقول فيها: تعلموا العلم ثمّ تعلموا الحلم، ثمّ تعلموا العلم ثمّ تعلموا العمل بالعلم ثمّ ابشروا.
وفي يوم بعث له معاوية بستمائة دينار فدها وكتب إليه:
إني لأختار القنوع على الغنى * * * وفي الناس مَن يقضي عليه ولا يقضي
وألبس أثواب الحياء وقداري * * * مكان الغنى أن لا أهين له عرضي
وقال لرسوله: قل له: والله ، يا ابن آكلة الأكباد لاوجد في صحيفته حسنة أنا سببها أبداً(1).


1 - الاصابة1: ص213. تهذيب الأسماء1: ص142. الأعلام2: ص104. أعيان الشيعة4: ص45-49.

مالك بن الحارث الأشتر

نسبه: هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع بن عمرو بن عُلَة بن خالد بن مالك بن أدد(1).
أمّا ولادته فلم يذكر المؤرخون سنة ولادته، بل كل ما ذكره التاريخ أنه كان في معركة صفين في سن الثمانين، وهذا يعني أنه ولد قبل الإسلام بقليل بعقد أو عقدين من الزمن، بخلاف ما رجحّه السيد محسن الأمين أنّه تجاوز الستين في معركة صفين(2).
أمّا وفاته فقد كانت في سنة 39 هـ، وهو في طريقه إلى مصر بعد أن ولاّه أمير المؤمنين (عليه السلام) على مصر، فسُقي السمّ قبل أن يصل إليها.
لماذا سُمي الأشتر ؟
سُمي الأشتر لأنّ عينه شترت – أي استرخى جفنها – في معركة اليرموك، وقيل في حرب الرودة مع أبي مسيكة الإيادي.

فضائل الأشتر
على لسان النبيّ (صلّى الله عليه وآله)

روى المحدّثون حديثاً يدل على فضيلة عظيمة للأشتر رحمه الله، وهي شهادةٌ قاطعةٌ من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بأنّه مؤمن، روى هذا الحديث أبو عمر بن عبد البر في كتاب (الاستيعاب) في حرف الجيم في باب (جُندب) قال أبو عمر:
لـمّا حضرت أبا ذرّ الوفاة وهو بالربذة بكت زوجته أم ذرّ، فقال لها: ما يُبكيك؟ فقالت: ما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاةٍ من الأرض، وليس عندي ثوبٌ يسعُك كفنَاً، ولابدّ لي من القيام بجهازك فقال: أبشري ولا تبكي، فإني سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة، فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبدا»، وقد مات لنا ثلاثةٌ من الولد، وسمعت أيضاً رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لنفرٍ أنا فيهم: «ليموتنّ أحدكم بفلاةٍ من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين»، وليس من أولئك النفر أحدٌ إلاّ وقد مات في قرية وجماعة فأنا – لا أشك – ذلك الرجل، والله ما كذبت ولا كُذّبت، فانظري الطريق.
قالت أمّ ذرّ: فقلتُ: أنّي وقد ذهب الحاج وتقطّعت الطرق!
فقال: اذهبي فتبصّري. قالت: فكنت أشتدّ(3) إلى الكثيب، فأصعد فأنظر، ثمّ أرجع إليه فاُمّرضه، فبينا أنا وهو على هذه الحال إذ أنا برجال على ركابهم كأنّهم الرخم(4) تخبُّ بهم رواحلهم، فأسرعوا إليّ حتّى وقفوا عليّ وقالوا: يا أمةُ الله، مالكِ؟ فقلت: أمرؤ من المسلمين يموت، تكفّنونه؟ قالوا: ومن هو؟ قلت: أبو ذرّ، قالوا: صاحبُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟ قلت: نعم، ففدّوه بآبائهم وأمّاتهم، وأسرعوا إليه حتّى دخلوا عليه، فقال لهم: أبشروا فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لنفرٍ أنا فيهم: «ليموتنّ رجل منكم بفلاةٍ من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين»، وليس من أولئك النفر إلا وقد هلك في قرية وجماعة، والله ما كذبت ولا كُذّبت، ولو كان عندي ثوب يسعُني كفناً لي أو لأمرأتي لم أكفّن إلاّ في ثوب لي أو لها، وإنّي أنشدكم الله ألاّ يكفّني رجل منكم كان أميراً أو عريفاً أو بريداً أو نقيباً!
قالت: وليس في أولئك النفر أحد إلاّ وقد قارف بعض ما قال، إلاّ فتىً من الأنصار قال له: أنا أكفّنك ياعمّ في ردائي هذا، وفي ثوبين معي في عيبتي من غزل أُمي، فقال أبو ذرّ: أنت تكفّنن، فمات فكفّنه الأنصاري وغسّله النفر الذين حضروا وقاموا عليه ودفنوه، في نفر كلهم يمان.
الأشتر على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام)
من كتاب لأمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أميرين من اُمراء جيشه: «وقد أمّرتُ علكما وعلى مَن في حيّزكُما مالك بن الحارث الأشتر، فأسمعا له وأطيعا، واجعلاه درعاً ومجنّاً، فإنّه ممّن لا يُخاف وهنه ولا سقطته، ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم، ولا إسراعه إلى ما البطءُ عنه أمثل».
ثناء أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد بلغ مع اختصاره مالا يُبلغ بالكلام الطويل، ولعميري لقد كان الأشتر أهلاً لذلك ، كان شديد البأس، جواداً رئيساً حليماً فصيحاً شاعراً، وكان يجمع بين اللين والعنف، فيسطو في موضع السطوة، ويرفُق في موضع الرفق وقد جمع أمير المؤمنين (عليه السلام) أصناف الثناء والمدح في قوله: «لايخافَ بُطئُهُ عمّا الإسراعٌ إليه أحزم، ولا إسراعه إلى ما البطءُ عنه أمثل».
ووصفه أمير المؤمنين (عليه السلام) لأهل مصر حين ولاه عليها في كتاب كتبه إليهم:
«لقد وجهت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام في الخوف ولا ينكل من الأعداء، حذر الدوائر، أشدّ على الكافرين من حريق النار، فأسمعوا وأطيعوا فإنّه سيفٌ من سيوف الله لا يأبى الضريبة ولا كليل الحد...».
ومن أقوال أمير الؤمنين فيه: «كان لي كما كنت لرسول الله» .
وسئل بعضهم عن الأشتر فقال: «ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام، وهزم موته أهل العراق».
ولمّا بلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) موت الأشتر قال:
«إنّا لله وإنّا إليه راجعون والحمد الله رب العالمين، اللّهمّ إنّي احتسبه عندك فإنّ موته من مصائب الدهر» ثمّ قال: «رحم الله مالكاً فقد كان وفياص بعهده وقضى نحبه ولقي ربّه، مع أنا قد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله، فإنها من أعظم المصائب».
وحدّث أشياخ النخ قالوا: دخلنا على أمير المؤمنين (عليه السلام) حين بلغه موت الأشتر فوجدناه يتلهف ويتأسف عليه، ثمّ اقل: «لله در مالك وما مالك؟! والله لو كان من جبل لكان فذّاً ولو كان من حجر لكان صلوا، أما والله ليهون موتك عالماً وليفرحن عالماً، على مثل مالك فلتبكِ البواكي، وهل موجود كمالك».
الأشتر يخرج مع قائم آل محمّد
(عجل الله تعالى فرجه الشريف)
روى الشيخ المفيد عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يخرج مع القائم (عليه السلام) من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى (عليه السلام) الذين كانوا يصدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوسف ابن نون وسلمان وابو دجانة الأنصاري والمقداد ومالكاً الأشتر فيكونون بين يديه أنصاراً وحكّاماً».
بطولته في القتال
من الصور التي نقلها نصر بن مزاحم عن بسالة الأشتر يوم صفين قوله: (كان الأشتر في ميمنة الناس وابن عباس في الميسرة وعلى في القلب والأشتر في هذه الحال يسير ما بين الميمنة والميسرة فيأمر كل قبيلة أو كتبية من القرّاء بالإقدام على التي تليها فلم يزل يفعل ذلك حتّى أصبح والمعركة خلف ظهره، وجعل يقول لأصحابه وهو يزحف بهم: أزحفوا قيد رمحي هذا، فإن فعلوا قال: ازحفوا قاب هذا القوس.
ثمّ دعا بفرسه وركز رايته وكانت مع حيّان بن هوذة النخعي، وأقبل الأشتر على فرس له كميت محذوف قد وضع مغفرة على قربوس السرج وهو يقول: اصبروا يا معشر المؤمنين، فقد حمي الوطيس.
وخرج يسير في الكتاب ويقول: ألا مَن يشتري نفسه لله ويقاتل مع الأشتر حتّى يظهر أو يلحق بالله؟ فلا يزال الرجل من الناس يخرج إليه ويقاتل معه.
ويقول واحد في تلك الحال: أيُّ رجلٍ هذا لو كان له نيّة؟ فيقول له صاحبه: وأيُّ نية أعظم من هذه ثكلتك أُمّك وهبتك! إنّ رجلاً فيما قد ترى قد سبح في الدماء وما أضجرته الحرب وقد غلت هام الكحاة من الحر وبلغت القلوب الحناجر، وهو كما ترى يقول هذه المقالة.
نعم الأشتر في أصحابه فقال: شدوا فدى لكم عمي وخالي شدةً ترضون بها لله وتفزّون بها الدين، فإذا شددت فشددوا، ثمّ نزل وضرب وجه دابته، ثمّ قال لصاحب رايته: اقدم فأقدم بها ثمّ شد على القوم وشد معه أصحابه يضرب العدو حتّى وصل بهم إلى معسكرهم، فقالتوا عند المعسكر قتالاً شديداً فقتل صاحب رايته(5).
قال أبو بكر بن أبي شيبة: أعطت عائشة لمن بشرها بسلامة ابن أُختها عبد الله بن الزبير لمّا لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم. وقيل: إنّ الأشتر دخل بعد ذلك على عائشة فقالت له: يا أشتر، أنت الذي أردت قتل ابن أُختي يوم الوقعة، فأنشد:
أعائشُ لولا أنّني كنتُ طاوياً
ثلاثاً لألفيتِ ابنُ أختكِ هالكا

غداةَ ينادي والرماح تنوشه
بأخرِ صوتٍ اُقتلاني ومالكا

فنجّاه منّي أكلهُ وسنانُه
وخلَوةُ جوفٍ لم يكن مُتمالكا(6)

الأشتر ومعاوية:
قال ابن أبي الحديد في شرحه: (ولّما قنت عليٌّ (عليه السلام) على خمسة ولعنهم وهم: معاوية، وعمرو بن العاص، وأبو الأعور السُّلميّ، وحبيب بن مسلمة، وبُسر بن أرطأة، قنت معاوية على خمسة وهم: عليّ،والحسن، والحسين – عليهم السلام – وعبد الله بن العبّاس، والأشتر ولعنهم)(7).
ولقد سُرَّ معاوية بمقتله، فقال: كانت لعليّ يمينان قطعت إحداهما بصفّين (يقصد عمار بن ياسر) وقطعت الأُخرى بمصر (ويقصد مالكاً)(8).
الأشتر شاعراً:
كان الأشتر شاعراً من شعراء البطولة، ولكن البطولة غلبت عليه رغم موهبته الشعرية.
يبرز شاب في معركة الجمل لمالك فيلقيه مالك أرضاً ويهم بقتله فيذكّره الشاب الصريع بالقرآن ويتلو عليه حاميم – والشاب يعلم أنّ مالكاً لا يؤخذ بأمر كما يؤخذ بالقرآن – فيقول الأشتر مجيباً:
يذكّرني في حاميم والسيف مصلت
فهلا تلا حاميم قبل التقدم

هتكت لـه بالرمح جيب قميصه
فخرّ صريعاً لليدين وللفم

على غير شيءٍ غير أن ليس تابعاً
علياً ومَن لا يتبع الحق يندم

وقد اختصر الأشتر مذهبه السياسي في البيت الأخير وذلك:
(أن مَن لا يتبع علياً مخالف للحق وحققت عليه الندامة ووجب قتاله) وهي أبيات – على بساطتها – تدل على قوة في الشكيمة وبلاغة في الأداء لا تأتيان إلاّ للشعراء.
وكان يصّور نفسه في الحرب تصويراً صادقاً فيقول:
لأوردن خيلي الفراتا
شعث النواصي أو يقال ماتا

كما يقول لأحد مبارزيه محذّراً مخوّفاً:
بليت بالأشتر ذاك المذحجي
بفارسٍ في حلقٍ مدحّجِ

كالليث ليث الغابة المهيّج
إذا دعاه القرن لم يعرّجِ

وانظر إلى قوله يخاطب عمرو بن العاص حين همّ بمارزته وهو ملآن حنقاً عليه لأنّه في رأيه مورث النار ومحرّك الخلاف وأنّه أيضاً صاحب الحيلة في الحرب:
ياليت شعري كيف لي بعمرو
ذاك الذي أوجبت فيه نذري

ذاك الذي أطليه بوتري
ذاك الذي فيه شفاء صدري

ذاك الذي إن ألقه بعمري
تظل به عند اللقاء قدري(9)

افتراءات المؤرخين على الأشتر
يقول صاحب كتاب (النجوم الزاهرة): (وقال أبو اليقظان: كان الأشتر قد ثُقل على أمير المؤمنين عليّ أمُره، وكان متجرِّياً عليه مع شدة محبته له . وحكى عن عبد الله بن جعفر قال: كان عليٌّ قد غضب على الأشتر وقلاه واستثقله، فكلّمني أن أُكّلمه فيه، فقلت:
يا أمير المؤمنين، ولّه مصر فإن ظفروا به استرحت منه فولاّه)(10).
أقول: العجب من هذا الكلام مع أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «كان لي مالكاً كما كنت لرسول الله صلّى الله عليه وآله» ومع هذا يكون مالك ثقيلاً ومتجرِّياً على أمير المؤمنين (عليه السلام).
هذا الكلام لا يقبله عاقل وباحث وخصوصاً الكلمات التي وردت على لسان الإمام علي (عليه السلام) في حق مالك عظيمة ولم توجد في حق غيره من الصحابة والحواريين، حيث يقول سيد الموحدين (عليه السلام) : «وهل تلد النساء مثل مالك». وكذ هذا يكون ثقيلاً ويريد الإمام علي (عليه السلام) أن يستريح منه ويكلّف بعد الله بن جعفر أن يكلّمه.
الأشتر زعيم الثورة الشعبية
قال سعيد بن العاص الاُموي والي عثمان على الكوفة لسماره: السواد – يقصد سوا العراق بما فيه من مزارع وبساتين – بستان لقريش وبني امية.
فقال له الأشتر: أتزعم أنّ السواد الذي أفاده الله على المسلمين بأسيافنا بستان لك ولقومك! والله ما يزيد اوفاكم فيه نصيباً إلاّ أن يكون كأحدنا، وتكلّم معه القوم، فقال عبد الرحمن الأسدي وكان على شرطة سعيد: أثر دون الأمير مقالته! واغلظ لهم، فقال الأشتر: من ها هنا؟ لا يفوتنكم الرجل فوثبوا عليه فوطؤوه وطأً شديداً حتّى غشي عليه.
ثمّ إنّ سعيداً نفى الأشتر مع تسعة آخرين إلى الشام بامر عثمان ثمّ ردهم إلى الكوفة، وكان فساد الحكم قد بلغ ذروته فلم يطق الأشتر وصحابته السكوت. فنفوهم مرة ثانية إلى حمص فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شراً. والسلام. فلما قرأ الكتاب قال: اللّهمّ اسؤانا نظراً للرعية واعملنا فيهم بالمعصية فعجّل له النقمة.
فكتب بذلك سعيد بن العاص إلى عثمان وسار الأشتر وأصحابه إلى حمص، ثمّ عادوا إلى بلدهم.
واستمر استهتار الحكام بالناس، قال الطبري: اجتمع ناس من المسلمين – في الكوفة – فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلاً يكلمه ويخبره بأحداثه فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي وهو الذي يدععي عامر بن عبد قيس، فأتاه فدخل عليه، فقال: إنّ ناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت اموراً عظاماً فاتق الله عزّ وجلّ وتب وانزع عنها.
فقال له عثمان: انظر إلى هذا فإنّ الناس يزعمون أنه قارئ، ثمّ يجيء فيكلمني في الحقرات فوالله ما يدري أين الله، قال عامر: أنا لا أدري أين الله؟! قال: نعم والله ما تدري أني الله. قال عامر: بلى والله لا أدري إنّ الله بالمرصاد لك.
وكان سعيد بن العاص ومعظم عمّال عثمان الذين ضج الناس من عسفهم موجودين في المدينة فعقد عثمان منهم مؤتمراً للنظر في امر النقمة الشعبية فكان من أبي سعيد بن العاص القضاء على الزعماء، من راي عبد الله بن عامر قوله: (تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجبرهم في المغازي حتّى يذلوا لك فلا يكون همة أحدهم إلاّ نفسه».
ثمّ رد عثمان عماله إلى بلدانهم وأمرهم بالتضييق على الناس وأمرهم بتجمير الناس في البعوث – أي ارسالهم إلى الغزو – وعزم إلى تحريم اعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه.
ورجع سعيد بن العاص أميراً على الكوفة يحمل هذه التعليمات فخرج أهل الكوفة عليه بالسلاح فتلقوه فردوه وقالوا: لا والله لا يلي علينا حكماً ما حملنا سيوفنا.
فخرج سعيد بن العاص إلى عثمان مطروداً، فأرسل عثمان مكانه أبا موسى الأشعري.
ولمّا تلاقت الوفود بعد ذلك في المدينة مجتمعة على أعمال عثمان وعماله كان الأشتر على أهل الكوفة مطالباً بما تطالب به الوفود كلها، وعندما تطورت الاُمور إلى الحالة التي لم يكن أحد يظن أنها ستتطور إليها وحوصر عثمان وهدد بالقتل، لم يدخل الأشتر في هذا.
فقد قال الطبري وهو يصف حصار عثمان: «فاعتزل الأشتر فاعتزل حكيم جبلة – زعيم البصريين – وكان ابن عديس – زعيم المصريين – وأصحابه هم الذين يحصرون عثمان وكانوا خمسمائة.
ولمّا قتل عثمان كان الأشتر هو الذي قاد الجماهير إلى بيعة على بن أبي طالب عليه السلام(11).
مؤهلات الأشتر
اجتمعت للأشتر خصال عدّة وفضائل كثيرة ومؤهلات جعلت منه رجلاً عبقرياً وشخصية فذّة في التاريخ، وقد وُهب من الذكاء والنبوغ ماندر أن نجده إلاّ عند فرائد الرجال.
1- الرجل المؤمن
بما أن الإيمان هو الصمود الفقري للشخصية الاسلامية كان لابد لنا من أن نضع بضماتنا على هذه النكتة الأساسية الحسّاسة في البنية الثقافية لمالك الأشتر رحمه الله، وأوّل ما يسترعي الانتباه هو إطراء النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) على مالم الأشتر، فقد عاصر مالك الحياة المباركة للرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وذكر عنده (صلّى الله عليه وآله) فقال فيه: «إنّه المؤمن حقاً» وحسب هذا شهادة قاطعة على تمام الإيمان وكماله.
2- تواضعه وزهده
كان الأشتر متواضعاً محبّاً للفقراء والمساكين، فهو في سيرته العطرة كلها يعيش مع جنده، يأكل مما يأكلون ويعيش كما يعيشون. وحكي أنّ مالكاً رضي الله عنه كان مجتازاً بسوق الكوفة، وعليه قميص خام وعمامة منه فرآه بعض السوقة فازدرى بزيّه فرماه ببندقة تهاوناً به، فمضى ولم يلفت إليه، فقيل له: ويلك أتدري مَن رميت؟
فقال: لا، فقيل له: هذا مالكَ صاحبُ أمير المؤمنين (عليه السلام) فارتعد الرجل ومضى إليه ليعتذر منه، فرآه وقد دخل مسجداً وهو قائم يصلي، فلما انفتل أكبّ الرجل على قدميه يقبّلها، فقال: ما هذا الأمر؟ فقال: أعتذر إليك ممّا صنعت، فقال: لا بأس عليك فواللهِ ما دخلت المسجد إلاّ لأستغفر لك(12).
3- فقهه وروايته
نَظَرت جميع كتب الرّجال والجرح والتعديل إلى مالك الأشتر نظرةً مِلؤُها الوثوق والثناء عليه، فلقد روى عن رجالٍ وروت عنه رجال، مما كان حلقة ذهبيّة في سلسلة الرواية لنقل الحدث بأمانة إلى الأجيال، لكن مالك الأشتر رحمه الله بما أنّه لم يصحب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من جهة ولم يمتدّ به العمر طويلاً بعد الازمات المرهقة التي مرّ بها من جهة اُخرى لم يقدّر له أن يحدّث الرّواة وأرباب العلم والقلم بما سمعه وتلقّاه عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومعاصريه وما سمعه وتلقّاه من أعاظم الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين عاصرهم وقتاً غير قليل، خصوصاً المدّة الزّمنية المباركة التي قضاها جنباً إلى جنب ويداً بيدٍ مع علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد وصل إليها الكثير ممّا حدّث به مالك عن علي (عليه السلام) إلاّ أنّه قليل إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار العلاقة الدّينية والاخوية بين علي (عليه السلام) ومالك.
كان مالك على نصيب وافر من الرّواية – رغم ما قدّمنا من متاعب حياته وقصرها – وكان يلتفّ حوله طلاّب العلم ونقلته ليسمعوا الحوادث والوقائع من تلك اللهجة الصّادقة وذلك الفم الذي لم يُحِّدث حديثاً إلاّ وفيه رضا لله.
ذكر البخاري أنّه شهد خطبة عمر بالجابية، وذكر ابن حبّان مالكاً في ثقات التّابعين وقال أنّه روى عن عمر وخالد بن الوليد وأبي ذرّ الغفاري وروى عن علي (عليه السلام) وصحبه وشهد معه الجمل وصفّين(13).
وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين في الكوفة(14).
وأمّأ الرّازيّ فقال فيه: مالك بن الحارث الأشتر النخعي، روى عن علي (عليه السلام) وروى عنه أبو حسان وعلقمة(15).
وتوسّع ابن حجر العسقلاني فقال: روى عن عمر وعليّ وخالد بن الوليد وأبي ذرّ وأمّ ذرّ، وروى عنه ابنه إبراهيم وأبو حسّان الأعرج وكنانة مولد صفيّة وعبد الرحمن بن يزيد وعلقمة بن قيس ومخرمة بن ربيعة النخعيّون وعمرو بن غالب الهمداني(16).
وقال ابن حجر أيضاً: وقال مهنّا: سألت أحمدَ عن الأشتر يُروى عنه الحديث؟ قال: لا أنتهي، ولم يُرد أحمدُ بذلك تضعيفه وإنّما نفي أن تكون له رواية(17).
هذا هو مالك راوية عالماً يحترمه الجميع ويؤثّقه الجميع وينظرون إليه بعين الإكبار والإجلال، هذا إلى كثير من الأحداث التي نقلها عن نفسه مع الآخرين كحواره ومناقشته أمّ المؤمنين، وقتاله وقتله عبد الرحمن بن عتّاب بن اسيد، وجرحه عبد الله بن الزبير وهرب ابن الزبير وإفلاته من الاشتر، إلى غير ذلك ممّا ستراه في هذا الكتاب.
وهناك رأيّ فقهي لمالك الأشتر ذكره البخاري في صلاة الخوف(18) وشرحه وعلّق عليه شرّاح البخاريّ(19) كما ذكره نقلاً عن البخاري ابن حجر العسقلاني(20)، وقد أخرجه البخاري وشرّاحه بطرق متعدّدة وأضافوا إليه إضافات وخرّجوا له تخريجات بعيدة لتصحيح عمل شرحبيل بن السمط، والأثر المذكور هو هذا:
قال الوليد ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط وأصحابه على ظهر الدابة، فقال: كذلك الأمر عندنا إذا تخّوف الفوت. انتهى. وهذا الأثر رواه عمر بن أبي سلمة عن الأوزاعي قال: قال شرحبيل بن السمط لاصحابه، لا تصلّوا صلاة الصبح إلاّ على ظره، فنزل الأشتر فصلّى على الأرض، فأنكر عليه شرحبيل، وكان الأوزاعي يأخذ بهذا في طلب العدو(21).
وزاد في فتح الباري أنّ شرحبيل قال حين صلّى الأشتر على الأرض: مخالف خالف الله به، كما أخرجه صاحب فتح الباري بطريق آخر وقال: انّ ثابت بن السمط هو الذي كان في خوف فصلّى مع أصحابه ركباناً إلاّ الأشتر نزل فصلّى فقال ثابتُ: مُخالف خُولف به، ثمّ جمع بين الروايتين بأنّ ثابتاً أخا شرحبيل كان معه أخوه في ذلك الوجه(22).
وأمّا العيني في عمدة القاري فشك أنّه كان ثابت بن السمط أو السمط بن ثابت في مسير في خوف... وسرد بقيّة الحادثة(23)، وأضاف عن ابن بطّال أنّه بحث عن القضية وهل أنّهم كانوا طالبين ام لا، فذكر الفزاري في السنن عن ابن عون عن رجاء عن ثابت بن السمط أو السمط بن ثابت قال: كانوا في السفر في الخوف فصلّوا ركباناً فالتفت فرأي الأشتر قد نزل للصلاة فقال: خالَفَ خولف به، فجُرح الأشتر في الفتنة، قال: فبان بهذا الخبر أنّهم كانوا حين صلّوا ركباناً(24).
وهذا الخبر يصحّ إذا كان الجيش الخارج للقتال هو احد الجيوش التي شاركت في حروب المسلمين ضدّ الرّوم من جهة الشّام، فانّ شرحبيل وإخوته من الشاميين ومن رؤوس أهل الشام، فلعّله كان قائد جيش هناك، هذا وإنّ الأشتر كان من المقاتلين الشجعان في فتوح الشام ومعركة اليرموك، ولايمكن أن يكون هذا الخبر في خلافة علي (عليه السلام) لانّ شرحبيل من المؤلّبين على علي (عليه السلام) ومن الشخصيات التافهة التي خدعها معاوية فانساقت وراء أهوائها وعصبيّاتها ونزعاتها القبليّة، وفيه يقول النجاشي الشاعر:
شُرحبيل ماللدين فارقت أمَرنَا
ولكنْ لِبغض المالِكيّ جريرِ

وعلى كلّ حال فالظاهر أن شرحبيل كان خلافاً لمذهب أهل البيت (عليه السلام) يرى جواز الصلاة على ظهر الدّابة وأنّ الأشتر كان ملتزماً بتعاليم علي بن أبي طالب التي غذاه بها محمّد (صلّى الله عليه وآله) في عدم جواز الصلاة إلاّ في مكان مستقر غير متأجرح إلاّ للضرورة.
وليس في الخبر ما يدلّ على شدّة خوفِ ولا مطاردة ولا مسايفة ولا مقاتلة، وغلا صلحّت الصلاة كيفما قُدِرَ لو تكبيراً كما كانت صلاة جيش علي (عليه السلام) في ليلة الهرير.
وهناك وجه آخر يمكن حمل الرواية عليه وهو أنّ شرحبيل كان قد خاف وقدَّر أنّه يتعذر عليه وعلى جيشه الصلاة على الأرض وحينذاك تجوز الصلاة على ظهر الدابة ويُسجد على قربوس السرج وإلاّ إيماءً، لكن هذا الخوف وهذه الضرورة لم يدلّ على تحققها شيءٌ من الخبر فلذلك نزل الأشتر وصلّى على الأرض لعدم الضرورة ولإمكان ايتان الصلاة على وجهها الصحيح على الأرض، فإذن هذا الخبر يدلّ على أن الأشتر كان صاحب رأيٍ وفقهٍ ورواية وأنّ مذهبه مطابق تماماً لتعاليم أهل البيت النبوي (عليهم السلام).
4- سياستهُ ودهاؤه
الكلام عن سياسة الأشتر ودهائه يحتاج إلى كتاب مستقلّ ودراسة خاصّة، لأنّ الحقبة الزّمنية التي عاصرها في حرب الرّدة وحروب الرّوم والفرس وإسقاط حكومة عثمان والمشاركة في بناء حكومة العلد من بعدها والقضاء على فتن المتمّردين والعصاة وتسيير الجيوش وعزل الولاة المتآمرين، كلّ ذلك يحتاج إلى مجالٍ غير هذه العجالة.
فقد ضبط مالك أرض الجزيرة ضبطاً حَسَناً حتّى يئس معاوية من مقارعة الأشتر، وتراه كساسي بارع يرواغ أعداءهُ حتّى يحصرهم في حصونهم ويجعل أكبر همهم الهرب، وتراه يهدّد بحبس الذي يتخلّفون عن علي (عليه السلام) فإذا نهاه علي (عليه السلام) صارَ بين أمرين، أحدهما الأمر الصادر من القيادة العليا المتمثلة بعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، والثاني هو الخطر الذي يشكّله اولئك على دولةٍ فتيّة لابّد لها من نفي جميع أوضار الماضي، فتراه سياسياً حكيماً يطلب منهم أن يأتوه بكفلاء أن لا يحدثوا حدثاً وهذا هو السبيل السويّ العادل الذّكي في مثل هذا الموقفو لكنّ عليّاً يضمنهم له بأن لا يحدثوا حدثاً فيرضى بذلك.
ولولا دهاؤه وذكاؤه النّابعان عن دينه لا يخرجان عن ذلك لمّا استطاع استدراج سعيد بن العاص للإفصاح عن مذهبه في الاستئثار بالأراضي وفيء المسلمين، ثمّ الحصول على مستمسك يُقَدّم على أساسه احتجاجاً إلى السلطات العُليا، وحين لا تستجيب السلطات لذلك تستجيب الناس للقوة المعارضة وتؤيّدها وتكسب الشرعية في أن تعزل والينا وتطرُدَه عن مركزه السلطوي مذموماً مدحوراً.
وحين يهيج الراي العام ضدّ الفساد الإداري السائد في عهد عثمان يَتركُ المجال مفتوحاً للجماهير لتسمع من حاكمها مباشرةً دون وساطة ولا واسطة ولا نقل ناقل لتسمع حاكمها عثمان يُعطي الوعود وينقضها ويصدر قراراً فيبطله مروان بعد دقائقو وليرى الشعب بأمّ عينه غضب الصحابة على السيرة الملتوية التي ينتهجها عثمان، والتهاب النفوس غيظاً حين يورن الأمر بقتل المطالبين بحقوقهم، بعد أن هيّأ الاشر الظروف للمجتمع لينتخب حكومته المقبلة ينسحب من تحطيم الحكومة القائمة مباشرةً لئلاّ يبقى مجال لقائل يشك في شعبية الثورة على عثمان.
وسياسته المقرونة بشجاعته دوّخت معاوية في صفين خصوصاً في الليلة التي حرّك بها قوّاته كأنّه يريد الانسحاب والهرب وقد ظن معاوية وابن العاص ذلك ، حتّى أصبح الصباح فرأوا القوات العلوية تحيط بهم واقفةً في الجبهة العُليا من الأرض، وكانت تلك الخطة قد صدرت عن عليّ (عليه السلام) ومالك الأشتر، حتّى أنّ معاوية فكّر بطلب الأمان والاستسلام لولا مشورة ابن النّابغة عمرو بن العاص برفع المصاحف.
ونرىالخديعة التي دبّرها ابن العاص خدعت كثيراً من الزّعماء والسياسيين في جيش علي بن أبي طالب (عليه السلام) وفتحت المجال للشكوك والشّاكين، كما هيّئت الأعذار للمُتعبين لكي يطالبوا بوقف الحربفكانَ الجميع قد انخدعوا، كلٌّ بنحوٍ من الانخداع إلاّ ثلاثة كان الأشتر أكثرهم بصيرةً وعزماً على مواصلة القتال وعدم الانسياق والانخداع باللعبة السياسية التي دبّرها ابن العاص لتحويل الهزيمة إلى نصرٍ أو إلى تكافؤ في الموازين على الأقل.
وكان معاوية يلعن في قنوته علياً (عليه السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام) وابن عبّاس والأشتر النخعي(25)، كلُّ ذلك لأنّ معاوية يدرك العبقرية السياسية التي يتماز بها الأشتر، وهذا بعينه جعل معاوية يفرح لقتل مالك ويقول فيه: انّه كان لعلي بين أبي طالب يدان يمينان قُطعت إحداهما بصفين – يعني عمّار بن ياسر – وقطعت الاخرى اليوم _ يعني مالك الأشتر(26).
ولامرٍ ما اتصل معاوية بالأشعث بن قيس ودبّر معه بثّ الفرقة في جيش عليّ وتَتَهالك الأشعث ومن ورائه كندة على قبول الصلح، ولم يقف الأمر لهذا الحدّ بل جاوزه إلى ان يصرّ الأشعث على عدم إرسال الأشتر حكماً من جانب علي (عليه السلام) ولا ابن عباس، فلقد كان هاذان الرجلان من دُهاة العرب ومعاوية مَن لا يخفى عليه مثل ذلك ، فبناء على خوف معاوية من الأشتر وأن يعيد الحرب فلا تبقى لجيش الشام باقية بناءً على ذلك نسّق معاوية ودبّر مؤامراته مع الأشعث في منع علي (عليه السلام) من إرسال الأشتر حكماً ولو كلّف ذلك الدماء والحرب في جيش علي (عليه السلام).
وظهر في العرب كثيرٌ من الدّهاة والسياسين من أمثال معاوية وابن العاص والمغيرة بن شعبة، لكنّ هذا الدهاء ليس من شأن عليّ ولا من طراز تربيته، فان علي بن أبي طالب والاشتر بالخصوص دهاة من النمط الإسلامي الرفيع الذي لا يحقق المكاسب الدنيوية على حساب الدين وأموال المسلمين وتفكيك المجتمع الإسلامي، وهناك عند علي (عليه السلام) دهاة آخرون من أمثال ابن عباس وقيس بن سعد وحجر بن عدي إلاّ أنهم يميلون إلى المراوغة أحياناً بما لا يتمشى وسياسة علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فعليّ هو القائل: والله ما معاوية بأدهى منّي ولكنّه يغدر ويفجر، وحين أشار عليه ابن عباس بإقرار معاوية إلى الشام لوقت قصير وضمِنَ له خلعه بعد ذلك وقال له أنّه يفعل بهم الأفاعيل بحيث لا يعلمون أنهم مقبلون يها ام مدبرون، فقال له علي (عليه السلام) : لست من هنيّاتك وهنيّات معاوية يا ابن عباس.
والأشتر كان يعرف تماماً كِلا السياسيتين وكلا الدّهائين – وهو الذي عدّه كثير من المؤرّخين والأدباء من دهاة العرب(27) – لكنّه لم يَنْحُ المنحى الملتوي من السياسة، بل التزم حتّى آخر عمره بسياسة علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومنهجيّته في التفكير ومعالجة الأمور، وأكبر دليل على دهائه وخبرته السياسيةبنوعيتها هو إشارته على علي (عليه السلام) بأمور شتى تنمّ عن بعد النظر وسعة الرؤية التي يحملها الأشتر عن الحياة والمجتمع والفرد، وفيها تحليلات دقيقة عن التركيبة النفسية لمجتمع ذلك اليوم وميولاته ومطامحه أشار الأشتر بها على علي (عليه السلام) بعد أن رأى الألم يخترم قلب علي (عليه السلام) والرجال تتسلل إلى معاوية وتتفرّق عنه زمراً زمراً، فلم يبق إذن إلاّ معاملتهم بنفس المنطق الذي فهمونه، منطق العسف – المييز بن الشريف والوضيع ليسوق الشريف الوضيع سوقاً – عدم التسوية في العطاء وتفضيل المشهورين والسادة والكبراء، ليضمّوا قبائلهم إلى جانب علي (عليه السلام) الاتجاه نحو الدنيا وعمرانها ولو على حساب الآخرة – نشر الترف والرَفاه وإعطاء الأعطيات والهدايا والصلات – المكايدة والضحك على عقول الناس وترك الحق وبثّ الدّعايات التضليلية، إلى غير ذلك من أساليب الساسة الملتوين الذي يطلبون النصر بأي ثمن ويبّررون الوسيلة بالغاية.
وشهادة علي (عليه السلام) له بنجاحه سياسياً تعدل شهادة الدنيا بأسرها، كتب (عليه السلام) بشاهدته هذه لأهل مصر في قوله: حليمٌ في الجدّ، رزين في الحرب، ذو رأي أصيل وصبر جميل، فإنْ أمركم بالنفر فانفروا، وإن أمركم بالمقام فأقيموا(28).
5- نجاحه العسكري
شجاعة مالك الأشتر أظهر من الشمس في رابعة النهار وأشهر من أن تخفى على أحد، والكتابة عن شجاته ونجاحاته العسكرية وعن حروبه تحصيل حاصل وتفسير لأوضح الواضحات، وقد مرّ استعراض النقاط الرئيسيّة من مكاسبه العسكرية وانتصاراته في حروبه، وإليك بعض انتصاراته التي حققها في سجلّه العسكري الخالد:
وكَلَ إليه علي (عليه السلام) ميمنته يوم الجمل فقاتل أشدّ القتال وأحسنه وهزم الجموع التي تحشدت فيها القوات الناكثة التي تجمّعت من كلّ حدب وصوب لقتال عليّ (عليه السلام) ، وكانت أشدّها كَلَباً عليه قريش التي أعطت زعامتها وزعامة كنانة إلى عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد، فهجم عليه الأشتر وقتله وأراح المسلمين من شرّه.
وكان عبد الله بن الزبير من أحقد الحاقدين على علي (عليه السلام) والعلويين وهو الذي كانت تحبّه عائشة حبّاً جمّاً وهو الذي زادها حقداً إلى حقدها وجرجرها تؤلّب الناس على علي (عليه السلام)، راكبه جملها المشؤوم حتّى أوردت أتباعها حياض الموت، وعبدُ الله هذا هو الذي أفسد قلب الزبير وألبَهُ على قتال علي (عليه السلام)، ترقب الاشتر هذا الفاسق عند خطام الجمل فهاجمه مهاجمة الأسد الباسل وجرحه جراحة منكرة في رأسه وصرعه وكادَ يقتله لولا اتنقاذ أصحابه إياه واستغاثته وصراخه: اقتلوني ومالكاً، حتّى أنّ عائشة أعطت من بشّرها بنجاته مالاً عظيماً، وقد أفلت هذا الخامل الذكر بعد أن ألقى نفسه بين الجرحى وما كاد يفلت لولا ذاك.
كما أردى أحد فرسان الجمل الذي يقال له عامر بن شداد الأزديّ، فجبن أهل الجمل عن منازلة الأشتر، وقَتل الاشتر مقتلة عظيمة من بين ضبّة المُحدقين بجمل عائشة، وقتل بطلهم عمرو بن يثربي الضّبيّ.
وفي كلّ أزمة ومهمّة كان علي (عليه السلام) يدعو لها الأشتر، فحين لاذ الناكثون بجمل عائشة وقطعت على زمامه الأكفّ والسواعد ورأى علي (عليه السلام) أنّ الحرب لايبوخ ضرامها مادام الجمل واقفاً وعائشة عليه تحرّض الناس،دعا حُماة أصحابه، الأشتر وعمّاراً وسعيداً وقيساً وابن بديل وابن أبي بكر، فشدّوا شدّة المقاتلين الأنجاد وكشفوا أهل البصرة عنه وعرقبوه فسقط إلى الأرض وفرّت جموع الجمل وانتهت الحرب.
وقبل صفّين ابتدأ الأشتر القتال وأذلّ اجزيرة وأخضعها لسلطانه وهزم الضّحاك بن قيس الفهريّ وسماك بن مخرمة، حتّى عيّر أيمن بن خُريم معاوية بقوله:
أنسيتَ إذ في كلّ يوم غارةٌ
في كلِّ ناحيةٍ كرجل جَرادِ

غارات أشتر في الخيول يريدكم
بمَعرّةٍ ومضرَّةٍ وفسادِ
وعند ابتداء صفّين واحتلال معاوية للشريعة كان الفضل الأكبر في استرجاعها للأشتر النخعي الذي غمس سنابك خيلة في الفرات برغم أنف معاوية وفلول الشّام.
وقتل سبعةً من صناديد الشام في معركة الفرات هم: صالح بن فيروز العكّي ومالك بن أدهم السلماني ورياح بن عتيك الغسّانيّ والأجلح بن منصور الكندي وإبراهيم بن وضّاح الجُمَحي وزامل بن عبيد الحزاميّ ومحمد بن روضة الجُمَحي.
وكان هذا البطل كلّما أوجد العدوُّ ثغرة في صفوف جنده حماه بنفسه وعالج الموقف بشجاعةٍ فائقة وبقتاله بنفسه مباشرة يلقي بها في لهوات الحرب،وأعظم موقف له هو رأب الصدع الذي حصل في الميمنة حين انهزمت وقتل عبد الله بن بديل الخزاعي وحماة أصحابه في وقعة الخميس، فقد تقدّم مالكٌ يقاتل مستميتاً على فرس له كأنّه حَلَك الغراب وفي يده صفيحة يمانيّة إذا طأطأها خِلْتَ فيها ماءً منصبّاً، فإذا رفعها كاد يغشى البصر شعاعها وهو مقنّع بالحديد، وكان عظيم الجسم طويلاً إلاّ أنّ لحمه خفّة قليلة، قاتل بشراسة حتّى ردّ الميمنة وزحف بها زحفاً إلى أن حطم الصفوف المحيطة بمعاوية وصار على بعد خطوات من النّصر والقبض على معاوية الذي رفع المصاحف فانقذ نفسه من طعنة علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وتقدّم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد برايته بعد أن تطاعن وجاريةَ بن قدامة فما أتى على شيء إلاّ أهمده، فغمّ ذلك علياً (عليه السلام) وأقبل الناس على الاشتر فقالوا له: يومٌ من أيامك الأوَل وقد بلغ لواء معاوية حيث ترى، فأخذ اللواء وارتجز الأراجيز الحماسية وضارب الجيش المتقدّم حتّى ردّه على عقبيه خاسئاً مدحوراً، فهزّت هذه الشجاعة المنقطعة النظير النجاشيّ الشاعر فقال:
دعونا لها الكبشَ كبشَ العراق
وقد خالط العسكرَ العسكرُ

فردّ اللواءَ على عَقْبهِ
وفاز بحظوتها الأشترُ

كما كان يفعلُ في مثلِها
إذا ناب معصوصِبٌ مُنْكرُ

وأدقّ عبارة قيلت في الأشتر وشجاعته هي العبارة الحكيمة التي قالها الرجل الذي سُئل عن مالك فقال: ما أقول في رجل هزمت حياتُه أهل الشام وهزمَ موتهُ أهل العراق.
حتّى أنّ ابن كثير المتعصّب اعترف بشجاعته فقال: فمن أمرائه [أي أمراء عليّ] على الحرب الأشترُ النخعي وهو أكثر من كان يخرج للحرب(29).
وقال: وعلم معاوية أنّ الأشتر سيمنعها [ أي مصر] منه لحرمه وشجاعته(30). وعدّه الأبشيهيّ في الطبقة الأولى من الشجعان كحمزة وعلي (عليه السلام)(31).
وقال ابن أبي الحديد: لو أنّ شخصاً أقسم أن الله لم يخلق أشجع منه في زمانه إلاّ استاذه علي بن أبي طالب لمّا خشيت عليه الإثم(32).
ومن اللطائف والنوادر مادار من الكلام بين الطرمّاح بن عديّ الطائي ومعاوية، فقد ذهب الطرمّاح رسولاً من قِبَل علي إلى معاوية، وكان الطرماح لَسِناً مفوها شديدَ العارضة لايطاق فأتعبَ معاوية باحتجاجاته المتينة، فلمّا يئس معاوية منه كتب جواب كتاب علي (عليه السلام) :أمّا بعدُ يا عليّ فلأوجّهنّ اليك بأربعين حملاً من خردل، مع كلّ خردلة ألف مقاتل يشربون دجلة ويسقون الفرات، فلمّا نظر الطرماح إلى ما كتب الكاتب قال لمعاوية: أما إنّ لعليّ (عليه السلام) ديكاً أشتر، جيّد العُنصر، يلتقط الخردل بجيشه، فيجمعه في حوصلته، فقال معاوية: ومن ذاك؟ قال: ذلك مالك بن الحارث الأشتر(33).
وفي رواية أنّ الطرماح قال له: والله إنّ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب لديكاً عليّ الصوت عظيمَ المنقار، يلتقط الجيشَ بخيشومه ويصرفه إلى قانصته، ويحطّه إلى حوصلته، فقال معاوية: والله كذلك هو مالك الأشتر النخعي(34).
وفي هذه الإشارات كفاية وغنى عن الإطالة في شجاعة الأشتر النخعي.
6- كمالات اُخرى
أتقَنَ الأشترُ فنّ القراءة والكتابة وكان يكاتب الخلفاء ويقرأ كتبهم ويراسل ويكاتب الآخرين أيضاً، فحين سيّره عثمان إلى حمص كتب إلى الأشتر وأصحابه كتاباً قرأه الأشتر ودعا على عثمان لظلمه وجوره ورَحَل مسيّراً إلى حمص(35).
وقد أرسل له عثمان رسالة تهدّده وتوعّده فيها فقرأها الأشتر وكتب جوابها إلى عثمان وعرض فيها مطالب الثورة والثّوار(36)، وكان قد كتب بذلك بطلب من الثّوار، ومعنى هذا أنهم كانوا يعملون أنّ الاشتر صاحب قلم وبيان.
وكتب أيضاً إلى سعيد كتاباً يحذّره فيه من عواقب غيّه ومغبّة أعماله وينذره ثورة أهل الكوفة على ظلمه(37).
وكذلك كتب الأشتر إلى أمّ المؤمنين عائشة كتاباً حذّرها فيه من المسير إلى حرب الجمل، فردّت عليه بكتاب كتبته، وقد قرأه الأشتر وفهم ما تُكنّه عائشة من البغض لأهل البيت (عليهم السلام) ولعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)(38).
مع أنّ الخلفاء اعتادوا أن لا يؤمّروا من لا يحسن القراءة والكتابة، لأنّ ذلك يجعل من المحال عادةً حفظ الأسرار والمهمّات والإسراع في الإفهام والتفهيم وإدارة شؤون الدّولة، وقد حمل الأشتر كُتباً متعدّدة من عليّ (عليه السلام) إلى المناطق التي ولاّه عليها والجيوش التي أمّرهُ عليها، وذلك يقتضي إجادته للقراءة ليستطيع قراءة تلك الكتب للنّاس ويعمل بمضومونها، أخُصّ بالذكر عهده الطويل الذي كتبه لمالك في السياسة والادارة والاجتماع.
وامتاز الأشتر بميزة اُخرى هي كونه من قرّاء القرآن، والمفسرين له، والمستنبطين لأحكامه، وقد كان يجتمع حوله قرّاء الكوفة ليستفتوه ويُداولوه أمورهم العامّة. وعندما كانوا جالسين عند سعيد فأعلن أنّ الأراضي ملك لقريش فأجابه الأشتر وفنّد آراءه التمييزية المتطرفة قال له أصحابه: وفقك الله فيما صنعت وقلت، فوالله رخّصنا لهولاء قليلاً لزعموا أنّ دورنا موارثنا التي ورثناها عن آبائنا في بلادنا لهم دوننا(39).
وبُعد النظر هذا ومعرفة عواقب الأمور نابع من مدى خطورة تلك الآراء المتطرّفة وبُعدها عن منهج القرآن، وأمّا سعيد بن العاص المستهتر فلمّا لم تعجبه صحوة المسلمين والتفافتهم حول قرآنهم كتب إلى عثمان: أمّا بعد فإنّي أخبر أمير المؤمنين أنّي ما أملك من الكوفة شيئاً مع الاشتر النخعي، معه قوم يزعمون أنّهم القراء وهم السفهاء(40).
ونفس هذا الامتعاظ من قرّاء القرآن وحملة العلم تجده عند عثمان؛ فحين بعث الناس رجلاص يكلّمه بأحداثه وينصحه بما فيه الخير والصلاح واختاروا عامر بن عبد القيس التّيمّي فكلّمه، فقال عثمان: انظروا إلى هذا فإنّ الناس يزعمون أنّه قارئ ثمّ يجيء فيكلّمني في المحقرات(41).
وكذلك احتجّ الثّوار عليه مع سائر الثائرين بكتاب الله وناقشوه في مداليله ومعانيه وأنّه انحرف عنها وزاغ، فأقرّ عثمان بذلك ووعدهم الاصلاح والتوبة(42).
لكنّ الأشتر لم يكن من القرّاء الذين لا يفهمون من القرآن إلاّ اسمه ولا يفظون منه سوى رسمه، بل هو من الطراز الآخر الأرقى وهو طراز القارئ الراوي الفقيه كما تقدّم.
ومن مقومات شخصّية الأشتر أيضاً هي شاعريّته الفذّة وخياله الخصب وموهبته الرّاقية في إبداء الشعور الذي يفيضه شاعرٌ امتلأ قلبه بالحب لدينه وإمامه وأهله ووطنه وأصدقائه، اقبس ذلك الحبّ من القرآن وآيهِ وحروفه، من النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، من خليفة رسول الله الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
بعد كلّ هذه المواهب والابداعات والمؤهّلات والعبقريّة، يطالعنا فنّ جديد كان له أكبر العلاقة وأشدّ الأثر في حياة هذا الانسان العملاق وكان الأشتر قد تأثّر إلى أبعد حدود التّأثر بهذا الفنّ بأستاذه علي بن أبي طالب الخطيب الذي لا يدانيه ولا يجازيه خطيب أو فصيح أبداً إلاّ معلّمه ومربيّه النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله) وسنتناول في هذه المقاطع موهبة الأشتر الخطابيّة مقارنةً بأصول الخطابة وبخطباء آخرين من العرب، كما سنبين تأثره واستلهامه الدروس الخطابية من علي بن أبي طالب (عليه السلام).
خطب الأشتر
خطبة له جَبَه بها معاوية حين سُيّر إليه
في حُكومةِ عثمانَ
أمّا بعد، فإنّ الله تبارك وتعالى أكرم هذه الأمة برسوله محمّد (صلّى الله عليه وآله) فجمع كلمتها وأظهرها على الناس، فلبث بذلك ما شاء أن يلبث ثمّ قبضَه الله عزّ وجلّ إلى رُضوانهِ ومحلَّ جِنانهِ صلّى الله عليه وآله وسلم كثيراً.
ثمّ ولي من بَعده قومٌ صالحون، عملوا بكتاب الله وسنّة نبيّه محمّد صلى الله عليه وآله وجزاهم بأحسن ما أسلفوا من الصالحات.
ثمّ حدَثت بعد ذلك أحداثٌ فرأى المؤمنون من أهل طاعة الله أن ينكروا الظلم وأن يقولوا بالحق؛ فإن أعاننا ولاتُنا – أعفاهم الله من هذه الأعمال التي لا يحبُّها أهل الطاعة – فنحن معهم ولا نخالف عليهم ، وإن أبوا ذلك فإنَّ الله تباركَ وتعالى قد قال في كتابه وقولُه الحقّ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}(43).
فلسنا يا معاوية بكاتمي برهان الله عزّ وجلّ ولا بتاركي أمر الله لمن جهله، حتّى يعلم مثل الذي علمنا وإلاّ فقد غَسشْنا أئمتنا وكنّا كمن نَبَذَ الكتاب وراء ظهره.
خطبة لهُ في شأن طلحة والزُّبير
خفِّضْ عليك يا أمير المؤمنين، فوالله ما أمرُ طلحة والزبير علينا بمخيل، لقد دخلا في هذا الأمر اختياراً ثمّ فارقانا على غير جورٍ علمناه ولا حدَثٍ في الإسلام أحدثناه، ثمّ أقبلا يثيران الفتنة علينا، تأئهين جائين، ليس معهما حجّة ترى ولا أثرٌ يعرف، قد لبسا العار وتوجها بمحو الديار.
فإن زعما أنَّ عثمانَ قُتل مظلموماص فليستقد آل عثمان منهما، فأشهد أنهما قتلاه، وأُشهد الله – يا أمير المؤمنين – لئن لم يدخلا فيما خرجا منه ولم يرجعا إلى طاعتك وما كانا عليه لنحلقنّهما بابن عفّان.
كلام لهُ بعد رفع المصاحف
يا أمير المؤمنين «ما أجبناك لِدُنيا» إنّ معاوية لا خلفَ له من رجاله، ولك بحمد الله الخلف، ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا بصرك، وبقد بلغ الحق مقطعه، وليس له معك رأيٌ، فإن أحببت إلى هذه القضية، فأنت الإمام الرشيد والبطل المجيد، وإن أبيت ذلك فاقرع الحديد بالحديد واستعن بالله الحميد.
محاججات الأشتر
محاججته سعيد بن العاص ومنازعته مع عبد الرحمن بن خنيس

فبينا سعيد بن العاص ذات يوم في مسجد الكوفة وقت صلاة العصر وعنده وجوه أهل الكوفة، إذ تكلم حسّان بن مخدوج الذهلي فقال: الله إنّ سهلنا لخير من جبلنا، فقال عدي بن حاتم: أجل السهل أكثر بُرّاً وخصباً خيراً فقال الأشتر:
وغير هذا أيضاً، السهل أنهاره مطَّردةٌ، ونخله باسقاتٌ، وما من فاكهة ينتها الجبل إلاّ والسهل ينبتها، والجبل خورٌ وعرٌ، يُحفي الحافر، وصخره يعمي البصر ويحبس عن السفر، وبلدتنا هذه لا ترى فيها ثلجاً ولا قرّاً شديداً.
فقال عبد الرحمن بن خُنيس الأسدي صاحب شرطة سعيد بن العاص: هو لعمري كما تذكرون، ولوددت أنه كلّه للأمير ولكم أفضل منه، فقال له الأشتر:
يا هذا ، يجب عليك أن تتمنّى للأمير أفضل منه ولا تتمنّى له أمالنا، فما أقدرك أن تتقرّب إليه بغير هذا.
فقال عبد الرحمن بن خنيس: وما يضرّك من ذلك يا أشتر؟ فوالله إن شاء الأمير لكان هذا كله له، فقال له الأشتر:
كذبت والله يا ابن خنيس. والله إنه لو رام ذلك لمّا قدرَ عليه، ولو رمته أنت لفزعت دونه فزعاً يذلّ ويُخشع.
قال فغضب سعيد بن العاص من ذلك ثمّ قال: لا تغضب يا أشتر فإنما السواد كله لقريش فما نشاء منه أخذنا وما نشاء تركنا، ولو أن رجلاً قدم فيه رجلاً لم ترجع إليه، أو قدّم فيه يداً لقطتها، فقال له الأشتر:
أنت تقول هذا أم غيرك؟!
فقال سعيد بن العاص: لا ، بل أنا أقوله، فقال الأشتر:
أتريد أن تجعل مراكز رماحنا وما أفاء الله علينا بأسيافنا بُستاناً لك ولقومك؟! والله ما يصيبك من العراق إلاّ كلُّ ما يُصيب رجلاً من المسلمين.
قال: ثمّ التفت الأشتر إلى عبد الرحمن بن خنيس فقال:
وأنت يا عدوَّ الله ممّن يزيّن له رأيه في ظلمنا والتعدّي علينا لكونه ولاّكَ الشرطة.
قال: ثمّ مدّ الأشتر يده فأخذ حمائل سيف ابن خنيس فجذبه إليه فقال:
دونكم يا أهل الكوفة هذا الفاسق فاقتلوه حتّى لا يكون للمجرمين ظهيراً.
محاججته عثمان بن عفّان
قال عثمان: يا أشتر ما يُريد الناس منّي؟ قال:
ثلاثاً ليس لك من إحداهنَّ بُدٌ.
قال: ما هُنَّ ؟ قال:
يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرهم ؛ فتقول: هذا أمركم فاختاروا له من شئتم، وبين أن تُقصَّ من نفسك، فإن أبيت هاتين فإنّ القوم قاتلوك.
محاججته عائشة بعد حرب الجمل
جاءها [أي عائشة] مالك الأشتر رحمه الله وقال لها:
الحمد الله الذي نصرَ وليّهو وكبت عدوّه {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}(44) كيف رأيت صُنع الله بك يا عائشة؟
فقالت: من أنت ثكلتك أمُك، فقال:
أنا ابنُكِ الأشتر:
قالت: كذبت لستُ بأمّك. قال:
بلى ، وإن كرهت:
فقالت: أنت الذي أردتَ أن تُثكل أختي أسماء بابنها، فقال:
المعذرة إلى الله وإليك، والله لولا إنّني كنت شيخاً كبيراً، وطاوياً ثلاثة أيّام لأرحتكِ وأرحت أمّة محمّد المسلمين منه.
فقالت: أوما سمعت قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله) : أن المسلم لا يُقتل إلا عن كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل النفس التي حرّم الله قتلها، فقال:
على بعض هذه الثلاثة قاتلناه يا أمّ المؤمنين، وأيم الله ما خانني سيفي قبلها، ولقد أقسمت أن لا يصحبني بعدها.
مواقف وأراء اتجاه الأشتر
خلال جمعنا واخيارنا لخطب الأشتر وكلماته البديعة وآرائه السديدة التي لها مساس بحياته السياسية والاجتماعية والادراية مواقفه البطولية – كما سيأتي توضيحه – مررنا بمواقف وآراء تجاه الأشتر بعضها سلباً والآخر إيجاباً، وقد أثبتنا الكثير من هذه المغتريات في فصل ألحقناه بهذا الكتاب الذي يحوي النفائس من الحروف التي نطق بها فم الأشتر الذي ما فتيءَ ذاكراً لله ورسوله وأئمّته (عليهم السلام).
مرّ علينا آراء عدّة، لكنّا هنا سنقف على أقرب رايين من الصواب وأبعد رأيين عنه، أما الرأيان الأولان، فأولهما رأي الدكتور طه حسين في ثورة المسملين على عثمان بزعامة الأشتر في الكوفة، فقد قارب الدكتور طه حسين الحقيقة وكاد يصيب كبدها فيما كتبه عن عثمان والثوّار وعن أعمال عثمان وعمّاله، فإن عثمان استأثر فأساء الأثرة وجعل المسلمين طبقات متباعدة تفصل بينها هوّة واسعة من الفقر والغنى والعناء والرّخاء، كما جعل السلطة بيد أقاربه الذي أفسدوا البلاد وأهلكوا النسل والحرث ولكهم من الفساق الفجّار، بينما نرد خيار المسلمين وصلحاءهم يُبعدون عن مراكز السلطة الاستشارية فضلاً عن السلطة التنفيذية، فعثمان لا يستشير علياً (عليه السلام) بقدر ما يستشير مروان وسيعد بن العاص، ولا يستفتي أبا ذرّ الصاق اللهجة بل يستفيت كعب الأحبار اليهودي، ومهما يكن من أمر فإنّ أوّل ما نقمه المسلمون على عثمان هو التمييز الطبقي البغيض وتفضيل قريش على سائر الناس والحكم بغير ما أنزل الله؛ قال الدكتور طه حسين:
فالفتنة إذن كانت عربية، نشأت من تزاحم الأغنياء على الغنى والسلطان، ومن حسد العامّة العربيّة لهولاء الأغنياء، ولم يكد نظام عثمان هذا يذاع ويسرع الأغنياء إلى الانتفاع به حتّى ظهر الشرّ، وظهر في الكوفة قبل أن يظهر في أي مصر آخر، وظهر في مجلس سعيد بن العاص نفسه... والشيء المهم هو أنّ سعيداً قد نفى هؤلاء الناس عن أرضهم ، ولست أدري إلى أي حدٍّ يجوز للامير أن ينفي المسلمين من أرضهم، سواء كان هذا النفي من عند نفسه أو بأمر من الخليفة، فإخراج المسلمين عن أرضهم إنّما يجوز إذا قامت البيّنة عليهم بأنّهم حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فساداً(45).
ثمّ لمّا اشتدّت النقمة على عثمان ولم يستجب لمطالب الثّوار قال الدكتور طه:
ثمّ خرجوا في جمع منهم يقودهم الاشتر، حتّى بلغوا الجرعة، فانتظروا سعيداً حد ردّوه وأكرهوا عثمان على أن يعزله عنهم ويولّي عليهم غيره، واختاروا أبا موسى الأشعري، فلم يجد عثمان بُدّاً من توليته عليهم، وكذلك اُكره على أن يعزل عامله على الكوفة مرتين، عزل الوليد لأنّه لَها وعبثَ واستعلى وشرب الخمر، وعزل سعيداً لأنّه اشتدّ وقسا وأسرف في تمييز قريش.
وتنبّه الدكتور طه لأحقيّة الأشتر ومطالبته المشروعة بالدفاع عن القوانين الإسلامية التي أخذ عثمان يبدّلها عملياً ونظرياً، وأخذ يولّي المجّان والشباب المتهورين من أقرابئه على حساب الآخرين من الشباب المؤمنين وأصحاب الرأي وذوي الكفاءات والشرف، فقال:
ويكفي أن تقرأ هذا الكتاب الذي ارسله الأشتر إلى عثمان حين ردَّت الكوفة سعيد بن العاص وكتب عثمان إلى أهلها يعظهم ويبصّرهم ويسألهم عمّا يريدون، يكفي أن تقرأ هذا الكتاب لترى مبلغ سخط الناس والشباب منهم خاصّة على عثمان، لأنّه آثر بالامور العامّة فريقاً من ذوى قرابته لايمتازون عن غيرهم بقليل أو كثير، كتب الأشتر إلى عثمان يقول:
من مالك بن الحارث إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنّة نبيّه، النابذ لحكم القرآن وراء ظهر، أمّا بعد فقد قرأنا كتابك، فأنه نفسك عمّالك عن الظلم والعدوان وتسيير الصالحين، نسمح لك بطاعتنا، وزعمت أنا قد ظلما أنفسنا وذلك ظنّك الذي أرداك فراك الجور عدلاً والباطل حقاً، وأمّأ محبتنا فأن تنزع وتتوب وتستغفر الله من تجنّيك على خيارنا، وتسييرك صلحاءنا، وإخراجك إيانا من ديارنا، وتوليتك الأحداث علينا، وأن تولي مصرنا عبد الله بن قي أبا موسى الأشعري وحذيفة فقد رضيناها، واحبس عنّا وليدك وسعيدك ومن يدعوك إليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله والسلام.
فأنت ترد أنّ الأشتر لم يخلع طاعة عثمان ولم ينكر إمامته وإنما اتّهمه بالجور والإنحراف عن السنة ونبذ القرآن وراء ظهره، وتوليه الأحداث، ونفي من نفى من المسلمين، وطلب إليه أن كيفّ عن هذا كلّهوأن يولّي على صلاة الكوفة وحربها أبا موسى الأشعري وعلى خراجها حذيفة بن اليمان، فإن فعل فله طاعة أهل الكوفة.
وانظر إلى قوله: واحبس عنّا سعيدك ووليدك ومن يدعوك إليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله، فإنّه يصوّر ما أحفظ أهل الكوفة غاظهم من إيثار عثمان لأهل بيته وتنحيته ذوي المكانة من أمثال أبي موسى وحذيفة(46).
هذا هو الرأي الأول في مالك الأشتر، يظهر للمنصف صحيحاً تأريخياً وسليماً بمقياس فلسفة التاريخ، لا يشوبه الدفاع عن الرؤساء ولاتصحيح أخطاء من ارتكبوا الأخطاء حفاظاً على سمعتهم لانّهم أصحاب سلطان ليس إلاّ، وإذا أتعبت نفسك وقرأت ما كتبه الدكتور حسن إبراهيم حسن حول مقتل عثمان(47) عرفت صحّة ما نقول من جريان أصحاب الأقلام جهلاً أو عناداً وراء كل ما من شأنه تنصيع الصفحات السوداء لذوي السلطان من قريش.
والرأي الثاني هو ما في دائرة المعارف الإسلامية، فإن السطور الموجودة فيه حول الأشتر برغم قلّتها تعطي صورة دقيقة لِما كان يريده الأشتر خلال ثورته على السلطة الأموية بزعامة عثمان بن عفان، خصوصاً قضيّة تأمير أبي موسى الأشعري على الكوفة، فسواء كان ذلك بطلب من الأشتر أو بأمر من عثمان فإنّ الاشتر كان في أزمة سياسية لايستطيع الخروج منها إلا بتوليه أبي موسى، فهو لأهل الكوفة رضى والعاملُ القديم في عهد عمر والرجل المسالم الذي لا يفتك ولا يظهر إلا النسك وهو من اليمانيين، مع العلم أنّ الناس كانت تقارن بين سياسة عمر وعثمان وتطالب بالرجوع إلى سياسة عمر، فكان لابّد من خطوة أولى نحو ذلك – التفت لها عثمان – هي تنصيب أبي موسى الأشعري، فإذن الأشتر مجبرٌ على قول أبي موسى عاملاً على الكوفة، وإن كان ظاهراً هو المطالب بذلك نيابة عن أهل الكوفة، وهذا نصّ ما في دائرة المعارف:
حمل إلى المدينة ظلامة أهل الكوفة من سعيد بن العاص والي العراق من قبل عثمان لأنّه كان يؤثر قريشاً ويخصّها بتملّك الأرض ، ولما فشل في مهمّته ألّب أهل الكوفة على سعيد ووضع الصعاب أمامه، ولكنّه خضع لأبي موسى الأشعري الذي كان والياً على الكوفة في عهد عمر نزولاً على أمر الخليفة، ولمّا ثارت الفتنة التي انتهت بقتل عثمان خرج الأشتر إلى المدينة في مائتي رجل عام 35هـ، ولكنّ عليّاً (عليه السلام) أغراه بما يعتزمه (الخليفة) من ضروب الإصلاح، فرجع مع رجاله، غير أنّه لقي في طريقه رسولاً للخليفة يحمل أمراً بقتل الأشتر، ومع هذا لم يشترك في محاصرة بيت عثمان أو في قتله(48).
بعد الرايين السالفين عن غير رجالات الشيعة من أرباب الفكر، نورد رايين متطفين ليكون القارئ على بيّنة من شخصيّة هذا الرجل العلاق، فعهد البشريّة بالعظماء أن يكون العالَم تجاههم على طرفي نقيض، فينا تؤلّه طائفة عليّاً (عليه السلام) تكفّره اخرى، وبينا يصلب اليهود المسي